حكايات مع الجدة | خارج خط السير
في يومٍ لم تشرق شمسه بعد، كانت الجدة تجلس على كرسيها الخشبي، تتنهد مع كل نفس تنهيدة مثقلة بذكرى ألم اليوم؛ ذكرى ليومٍ يثقل هواؤه المدينة، ويجعلها شاحبة من قسوة ما كان. كانت ذكرى لأيام زالت وحكايات اندثرت من الالم قبل الزمن، تاركةً ندوباً ومبنياً عليها عبرة لذكرى لكي لا يسقط جيل آخر فيما كان.
لم يكن أحد يتذكر متى بُنيت الجزارة، فكل ما عرفوه أنها كانت هناك دائماً.
مصفوفة الموت
بابان متقابلان، رخامة واسعة، وسواطير تلمع تحت ضوء أبيض قاسٍ. يقف الناس متجاورين فوق الرخام، أكتافهم تلامس بعضها وتنفصل، لكن فعلهم لا ينفصل؛ بلا حديث، وبلا اعتراض. يدخلون من الباب الأيمن، يخرجون من الأيسر، ثم يعودون للوقوف في الصف ذاته لكن في خط سير مختلف، كأن الحركة لا تنتهي أبداً؛ فريق عمل كالنحل يعمل بلا توقف، ولا أحد يعلم من يخدم.
خلف الجزارة، كان المصنع؛ مجزر آلي ضخم، صامت إلا من صوت المعدن وهو يقطع، وصرخات ذبائح تأنُّ ولا يخرج صوتها للنور، فلا يمكن لمن يقف بالخارج أن يسمع شيئاً حتى وإن فُتحت أبواب ونوافذ المصنع. لا أحد يرى ما يحدث بالكامل، لكن الجميع يعرف: البشر في الجزارة كالبهائم في الزريبة؛ مقيدون، متساقون، عميان بأعين مفتوحة وعقول مغلقة وضمائر مخدرة وإرادة منفية.
في الخارج، خارج نصف الدائرة، كان الليل ثقيلاً كالحاً، يثقل عابره بغيم صراخ صامت فاتك بمن يسكنه. تراب، قمامة، فراغ موحش، وضوء وحيد معلّق على جدار الجزارة وكأنها منارة، وما هي إلا جزارة. يضرب الضوء الوجوه فيكشف عيوناً مفتوحة بلا نظر، يسيرون كالنائمين.
الدائرة المغلقة
دائرتان تدوران في الوقت نفسه:
* في الأولى: يدخل الناس كذبائح.
* في الثانية: يقف ذواتهم بثوب الجزارين، يتبادلون النوبات؛ بعضهم ممسك بالسواطير، وبعضهم داخل المصنع، وبعضهم يحارب من يسعى للاحتفاظ بإنسانيته بمحاولة هروب من خارج صفوف مصفوفة الجزارة.
الجميع ذبائح وذابحون؛ تارة لأنفسهم، وتارة خلفهم، وتارة لمحيطهم. ومن يخالف يُطعن أكثر ويُجلد ويُقيد حتى يعود لصفوف المصفوفة. وهكذا تعمل الدائرة: اليوم تقتل والغد تقتل، الجاني مجني عليه في السابق، والمجني عليه جاني لاحق. ومن لم يخضع لخط سير الدائرة، هاجت الدائرة كوحوش ضارية لمهاجمة وقتل من خرج من مصفوفة الموت.
هنا فقط عرف الموت بصور ودرجات خلاف انفصال الروح عن جسدها، هنا عرف موت الاحياء وهم احياء، وعرف عن الموت للبعض أنه رحمة وراحة ونجاة وشفاء، هل أدركت كم المعاناة؟!
ومع الوقت، صار التمييز مستحيلاً؛ الوجوه ذاتها، الأجساد ذاتها. من خرج من الباب حاملاً سكيناً، كان قبل لحظات فقط معلقاً على الخطاف.
سحق الهوية
لم يكن المصنع مكاناً تتجنيه، بل نمط فكر وحياة هالك يهلك الجميع. لقد كان شيئاً يحدث في الداخل، وقلة هم القادرون على إبقاء النور داخلهم مضاءً، قلة من كان لهم شجاعة مواجهة ظلام أنفسهم والانتصار.
في البداية يقاوم الداخلون؛ تتوتر أجسادهم، ترتجف أفكارهم، يحاولون التمسك بأسمائهم لأنها عناوينهم الأولى. لكن بعد المرور الكامل، يتحولون إلى الفراغ. فارغين.. بدون هويتهم الأصلية وعناوينهم الأولى، أصبحت أسماؤهم مواضيع تختلف غالباً عنهم. يقال إن لكل صاحب اسم نصيب من اسمه، لكن في تلك الدوائر، الأسماء الحقيقية تنسحب لتصبح ذكرى، ويوصمون بعدها بأسماء غريبة عنهم لإخفاء هوية الضحية، تحولٌ يصبحون به قابلين للوقوف مجدداً... لكن هذه المرة في صف الجزارين.
لحظة الاستيقاظ
وذات مرة، عند باب الدخول، توقفت هي.. مغطاةً بألم الطريق، كانت أنثى تحمل في ثباتها عقل رجلٍ لا يلين.
لم تصرخ في البداية، فقط لم تتحرك في خط سيرهم الرتيب. تراكم الناس خلفها؛ بعضهم يدفع الواقفة عمداً، والبعض يلتف حولها مذهولاً، والبعض يتساءل بوجل: هل تنجح؟ همسوا لها "تحركي"، لكنها بقيت واقفة لوهلة كجبلٍ أشم، ثم فتحت ذراعيها لتصنع حائلاً يوقف خط سير الهلاك — أقصد المجزرة. لم يستجب البعض لنداء التوقف في البداية، لكن...
حين رفعت صوتها أخيراً، لم يكن صراخاً للنجدة... كان نداء يقظة يزلزل الأركان. قالت إنهم يدورون مثل الثور في الساقية، عمياناً، معصوبي العينين، مقيدين، مجردين من إنسانيتهم وآدميتهم.
قيل قد نزع الجزء العامل من الضمير فيهم لكي لا يمتنعوا، وقيل لهم إن الخارج ليس حياة، وإن الداخل ليس ضرورة. حينها، خرجت أصوات من الظل؛ نساء عجائز، ظهورهن منحنية، وأعينهن متعبة. قلن إنهن كنّ هنا من قبل، ذُبحن، وبعضهن نجون بالكاد. صرخن: "أنقذوا أطفالنا، فاختيار الحرية هو اختيار للحياة.. أوقفوا عجلة الموت من التهام مجتمع الغد بالتهام بناتنا وأبنائنا".
انتصار الفطرة
لقد كان الوقوف... الوقوف واختيار الحياة وحده يكفي أحياناً. إن اختيار الحياة هو الفطرة الإنسانية التي تستيقظ لتوقظ كل إنسان.
بدأ آخرون يتوقفون. علقوا بعض الواقفين، أسكتوا آخرين، لكن الدائرة لم تعد كاملة كما كانت. تلقائياً، من نهضوا كانوا يصنعون حاجزاً يحمي الآخرين، وتلقائياً يغيرون سير الأمور؛ لا اعتراض بل اختيار للحياة. واحداً تلو الآخر، بدأ الكلام يخرج للمسامع، متقطعاً، مرتجفاً، لكنه حقيقي.. والحق ينير الطريق.
توقفت المجزرة. في الداخل، استمر صوت المعدن إلى أن صمت وأكله الصدأ. وفي الخارج، ظل الضوء وحيداً إلى أن انطفأ ضيُّ المجزر وأضاءت نفوس كل البشر، وانهارت نجوم سماء المدينة بعد ليل ظل لأعوام كلعنة لقتل الإنسان داخل البشر.
وبعد زمنٍ لا يُقاس، ظلت الهمسة باقية:
"هنا، كان يُذبح الإنسان ليصمت.. هنا كانت جزارة تُذبح فيها الإنسانية.. وهنا استيقظت البشرية ونهضت، لا لمحاسبة وتصنيف السابقين، بل كي لا يسقط جيل آخر في الدوران نفسه."
فالوعي يُستعاد... الوعي يُنمّى... الوعي ينير، والفطرة الإنسانية تنتصر.