رؤى قانونية | الصحة كرامة وحرية
الإرادة والصحة:
كثيرون يهملون الجسد، بوعي أو بغير وعي، والنتيجة في الحالين واحدة. يفر البعض من العبودية، لكنهم لا يقدمون على السعي الحقيقي نحو الحرية؛ فالحرية بلا جسد يحملها تظل فكرة معلقة في الفراغ.
المرض قيد وسوط:
قيدٌ يحجب الحياة، وسوطٌ يملأ صمت المريض بالآهات. وفي هذه الرحلة الموحشة، يبرز دور "المرافق"؛ ذلك "المحظوظ المنكوب". هو محظوظ لأنه نال درساً مجانياً في قيمة العافية وأبصر وجه المرض القبيح —ذلك الموت الصغير تارة، والجحيم المستعر تارة أخرى— لكنه المنكوب، لأنه يحمل عجز المريض فوق عجز قلبه وضعفه؛ يحاول بأساً 'مسح دموع سمكة داخل المحيط'؛ محاولاً رفع ألمٍ لا يملكه، في مسارٍ لا يملك نهايته. هو المحظوظ المنكوب الذي حصل على درس مجاني، ودرجات نجاح في امتحان اليأس، ومعاناة البؤس في آنٍ واحد.
مثله مثل:
سمعان القيرواني (حامل الصليب): هو الشخص الذي ساعد يسوع في حمل خشبة الصليب في طريق "الجلجثة". الرمزية هنا مذهلة؛ فسمعان حمل الثقل الخشبي ليخفف عن الجسد المنهك، لكنه لم يشعر بالمسامير التي اخترقت يد يسوع، ولم يختبر طعم الخل المر. هو شريك في العبء، لكنه غريب عن جوهر الألم الجسدي. المريض يظل هو "المصلوب" في نهاية المطاف.
رفاق داود (المطاردة): داود كان هو المطلوب رأسه، هو الذي كان عليه عبء "المسح بالدهن" (الاختيار والقدر)، بينما كان رفاقه يعيشون معه حياة المطاردة في الكهوف والقفار. هم ذاقوا مرارة التشريد "بسبب" علاقتهم بظروف داود، لكن الثقل الوجودي وقلق "المصير" يقع على عاتق داود أولاً.
المرض كالعاصفة:
لا يترك المرض شيئاً كما كان. يضرب بعرض الحائط الثوابت، يعصف بالمركب والبحر معاً؛ فلا الأشخاص يظلون هم أنفسهم، ولا الحياة تستمر بإيقاعها القديم. ورغم هذه القدسية للألم، نجد في بقع القاع المظلمة من يتاجر بوجع الفقراء، لتصبح ساحات المستشفيات مسرحاً لقصص الملايين، وقلةٌ هم من يدركون أن الصحة كرامة، وأن الكرامة لا تصبُّ إلا في نصيب الحر.
الجسد: الأرض التي تقف عليها الإرادة
ليست الإرادة الحرة مجرد شعار أخلاقي، بل هي قدرة. والقدرة تحتاج أرضاً تقف عليها، والجسد هو تلك الأرض. ما قيمة الاختيار إن كان الجسد منهكاً يسلب صاحبه طاقة الحركة؟ وما معنى القرار إن كان الألم يشوش صفاء الفكر؟
إن الصحة ليست رفاهية تزيّن الحياة، بل هي شرطها التنفيذي. هي المساحة التي تسمح للإرادة أن تتحول من فكرة إلى فعل.
* الألم المزمن إذلال.
* العجز القسري إذلال.
* الحرمان من العلاج إذلال.
عندما يُترك الإنسان لمواجهة ضعف جسده وحيداً، لا يُنتقص من راحته فحسب، بل من قدرته على الاختيار، ومع تقلص الخيارات، تتآكل الحرية بصمت. لذا، فإن الصحة ليست شأناً فردياً، بل هي قيمة حقوقية ورأس مال وجودي؛ فبدون الطاقة الحيوية، تظل المعرفة والخبرة والمبادئ معطلة عن التنفيذ.
الصحة كتماسك وجودي
ليست الصحة كمالاً جسدياً أو صورة مثالية، بل هي "تماسك"؛ ألا يكون الجسد في صراع دائم مع صاحبه. أن يكون التنفس عميقاً بما يكفي لتهدأ الفكرة، والجهاز العصبي مستقراً بما يكفي ليختار الإنسان دون ذعر. حين نحمي صحتنا، نحن نحمي حقنا في أن نكون فاعلين لا مفعولاً بنا.
الصحة ليست كل شيء، لكن بدونها، يضيق كل شيء. ومن هنا، تصبح الرعاية الصحية حقاً أصيلاً للإنسان، بدونها يفقد جزءاً من إنسانيته وكرامته، كما نصت عليها المواثيق الدولية.
المرجعية الحقوقية (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)
بناءً على فلسفة الربط بين الكرامة والحق في العافية، ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 25) على ما يلي:
> "لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه."
وكذلك ما جاء في دستور منظمة الصحة العالمية:
> "إن التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان، دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو المعتقد السياسي أو الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية."