حكايات مع الجدة | خريف ورقة شجر
في صباحٍ خريفيٍّ باكر، هرع زويد إلى جدته، وقد أيقظه خبر وفاة جارهما، وقيل إنه انتحر. لم يكد يمرّ عامٌ على حادثة الجارة الأخرى التي وُجدت جثتها وقيل إنها انتحرت أيضًا.
"ياجدة، ألم تسمعي الخبر؟" قال زويد بلهفة.
أجابت الجدة بهدوء: "صباح الخير أولاً. هل تناولت فطورك؟"
كرر زويد سؤاله بإلحاح: "يا جدة، ألم تسمعي الخبر؟"
نظرت إليه الجدة بنظرة أعادت فيها السؤال بصمت.
استسلم زويد وقال: "لا، ليس بعد."
"إذًا اجلس، سأعد لك العجة." قالت الجدة.
"يا جدة، أريد أن أتحدث!" قال زويد.
"نعم، سنتحدث. بعد الفطور."
وبعد فطور شهي لذيذ كالعادة، قال زويد: "يا جدة، لقد قلتِ بعد الفطور. لقد انتهينا، فتحدثي معي."
بدأت الحكاية،
قالت الجدة: "يا بني... كان أمام بيتنا شجرة كبيرة. كانت تورق كل ربيع، لكن في موسم الخريف تبدأ أوراقها تجفّ وتسقط بسرعة. قال أحد الناس حينها: "خلاص، الشجرة انتهت، اقطعها وبيعها خشب." لكن جارنا الطيب رفض و ظل يسقيها كل يوم ويتحدث معها كصديقة. وصدّق أو لا تصدّق... في ربيع العام التالي، عادت أوراقها كاملة خضراء. من تلك الشجرة تعلمت أن من يسقط ربما كان يمر بموسم خريف دون يد خير."
"لهذا السبب... عندما ترى شخصًا متعبًا، أو صامتًا، أو بعينين غارقتين، لا تتركه إن أمكن، اسقيه بكلمة، بابتسامة، بيد دافئة. ربما تكون أنت الربيع الذي يعيده إلى الحياة."
لم يفهم زويد. "لم أفهم، وماذا عن الجارة التي تسكن على أطراف القرية؟ جدتي، أنا كبرت الآن وأستطيع فهم الحقائق. تحدثي معي، أم يرضيكِ أن أسأل وأستمع لكلام الصبية؟"
أجابت الجدة: "حسنًا يا بني. البقاء هو الغريزة الأولى للإنسان والنداء الأخير. منذ أن فتح الإنسان عينيه على الدنيا، كان البقاء هو قانونه الأول، غريزة متجذرة لا تحتاج إلى تعليم. الانتحار هو استثناء نادر لا يحدث إلا تحت وطأة الألم الشديد."
"يا بني الانتحار لحظة وليس قرارًا"
"كثيرون يتحدثون عن الانتحار وكأنه "اختيار حر"، لكن الحقيقة أن حتى الذين تداهمهم الأفكار السوداء غالبًا ما يكونون أكثر الناس حبًا للحياة. الانتحار ليس كرهًا للحياة، بل هو سقوط تحت وطأة التعبٌ من ثقلها، وصرخة غير مسموعة. الفرق بين الحياة والموت قد يكون أحيانًا في نسمة محبة، كلمة صدق، أو عين تراك ولا تدير وجهها."
"من المسؤول؟" سأل زويد.
الجدة: "يلقى على العائلة لكن الحقيقة ليس صحيحًا أن العائلة وحدها مذنبَة. المسؤولية أكبر من بيت أو فرد. المجتمع ينسج بخيوط صلبة ما نسميه 'قواعد عرفية' أو 'ردود أفعال طبيعية'، لكنها قد تدفع إنسانًا إلى الحافة. حين نقيس الإنسان فقط بدرجة في امتحان، أو بعدد أصفار في حسابه، أو بمظهر اجتماعي مزيف، فإننا نكسر غريزته الأولى: البقاء."
"من سقط لم يكن بالضرورة قليل إيمان، بل ربما جفّ من الداخل، كَورقة شجر لم تجد ماءً ولا ضوءًا. ورقة الشجر لا تختار أن تسقط، بل تسقط لأنها لم تُسقَ."
"الإنسان لا يملك قدرة فردية خالصة على الانتحار. من يسقط، يسقط لأنه لم يجد سندًا، لأن المجتمع أدار ظهره، ولأن العالم حوله لم يمنحه سوى صمتٍ بارد."
"هل فهمت الآن؟"
"نعم،" قال زويد. "نحن مثل أوراق الشجر، إذا قُطفنا متنا، وإن لم نُروَ متنا، ولكن لا أحد يسقط باختياره الحر."