الأم ليست خادمة
كان عقد الزواج في تلك القرى أشبه بميثاق شراء، لكن الثمن لم يدفعه من ادّعى التملّك.
كانت النساء، في كثير من تلك البيوت، هنّ من يدفعن مقدّمًا ثمن الجدران والطعام، من مالهنّ أو من أعمارهنّ التي تُستنزف بصمت. يدخلن بيوتًا يقدّمن فيها الكثير، بينما يُعاد تعريف وجودهنّ على أنه واجب لا يُكافأ.
ويُقال إن الأطفال لربط الذكور بالمنزل، بينما الواقع أن النساء هنّ الأكثر التصاقًا بالمكان: بالجدران التي ساهمن في بنائها، وبالأدوار التي تحمّلنها دون اعتراف، وبعلاقات تُدار أحيانًا بمنطق الامتياز لا الشراكة.
لم تكن الجملة عابرة، رغم بساطتها الظاهرة: «هي أم… يعني خادمة لأولادها.»
قالها وكأن الأمومة تعريف مختصر، وكأن الكلمة لا تحمل تاريخًا، ولا جسدًا، ولا سهرًا، ولا خوفًا، ولا سنوات ذابت بصمت.
كانت الأم واقفة في منتصف البيت. ذلك المكان الذي لا يُذكر اسمه في السجلات، لكنه يحمل كل ما يجعل صورة البيت بيتًا. ومع ذلك، بدا هشًّا، كبيتٍ من ورق في مهبّ الرياح.
الخادمة – إن وُجدت – تدخل المكان كدور. تأتي بوقت، وتنصرف بوقت. لها مهام واضحة: تنظف ما اتّسخ. ترتب ما بُعثر. تُنجز ما طُلب. وحين تنتهي، تخرج دون أن تحمل معها قلق الغد. لا تُسأل عن معنى دمعة طفل، ولا عن خوفه من الظلام، ولا عن صمته الطويل.
الأم لا تدخل البيت. الأم هي حياة البيت. هي الروح التي منحت الجدران معنى، والتي وهبت من حياتها حياةً أخرى في الرحم. من أعطت بصدق أحيت، ومن بخلت أو خانت قتلت المعنى، قبل الجسد.
هي التي تحمل الطفل قبل أن يُسمّى: تحمله فكرة، ثم جسدًا، ثم روحًا صغيرة تتعلّم العالم عبرها. هي التي تسهر حين ينام الجميع، وتقلق حين يضحك أكثر من اللازم. تسمع ما لا يُقال، وترى ما لا يُرى.
الأم لا تنظف فقط. هي تنظف الخوف من قلب طفل. لا تطبخ فقط. هي تطبخ الأمان. لا ترتب الغرفة. هي ترتب الفوضى الداخلية لكائنٍ يتعلّم أن يكون إنسانًا.
الخادمة تُنفّذ. الأم تُشكِّل.
الخادمة مسؤولة عن الفعل. الأم مسؤولة عن الأثر.
ولأن الأثر لا يُقاس فورًا، يستخفّ به من لا يريد أن يعترف. الذكر الذي عجز عن الارتقاء بدوره، وجد في اختزال الأم نجاةً مؤقتة. فمن يُنكر عمق الدور، لا يُسأل عن غيابه.
لكن الحقيقة لا تختفي.
الطفل يعرف. يعرف من بقي. من حضر. من تحمّل، دون مقابل، ودون ساعة انتهاء.
في تلك الليلة، جلست الأم وحدها. لم تبكِ. كانت تعرف أن البكاء أحيانًا ترفٌ لا تملكه من يحمل العالم عن غيره.
وفي الصباح، قالت بهدوء لا يقبل المساومة: «الخادمة تُقدَّر بأجر. الأم تُقدَّر باحترام. الخادمة تُحاسَب على مهمة. الأم تُسأل عن حياة. وأنا لست دورًا محدودًا، ولا ظلًا لكبرياء أحد.»
سكت. لأن الكلمات، حين تُقال من امرأة عرفت قيمتها، تصبح وزنًا لا يُزاح.
الأم ليست خادمة. هي أصل الحضور. ولا يمكن استبدالها أو تعويضها.
الأم، حين تفي بروابطها بصدق، تحفظ الحياة في طفلها: لا يعرف الانكسار باكرًا، ولا يستسلم، ولا يتوقف عن النمو.
ينجح، ويزهر، كوردٍ في ربيعٍ لا ينتهي.