حديث بين زمنين
في ليلة يضيئها قمر يتوسط سماءً منسية، جلس الشاب أمام النار المتراقصة، ينظر إلى العجوز الذي بدا كأنه جزء من المكان، كما لو أنه وُجد هناك منذ الأزل. كان العجوز يرتدي عباءة داكنة، وخصلات شعره البيضاء تتلألأ تحت وهج اللهب.
رفع الشاب نظره وسأل بصوت يائس:
– هل العائلة نعمة أم قيد؟ هبة أم عبء؟
ابتسم العجوز، ثم قال وهو يقلب جمرة بين أصابعه:
– هي الباب الأول الذي عبرت منه إلى هذا العالم، فلا تسأل إن كان ذلك خيرًا أو شرًا، بل اسأل: هل كان ذلك بابك الوحيد؟ أم أن هناك أبوابًا أخرى تنتظرك؟
نظر الشاب إلى النار، وأجاب بحدة:
– لكن البعض يجد في عائلته حضنًا، والبعض يجدها سجنًا! كيف يكون الباب نفسه طريقًا مختلفًا لكل شخص؟
ضحك العجوز، وقال:
– صحيح، وأيضًا ذات الباب لكل عابر منه مختلف تمامًا، وعادةً الباب لا يقرر الطريق، بل المسافر.
بعض الأبواب تفتح على بساتين، وبعضها على أرض جرداء، وبعضها على حقل مثمر، وبعضها على جحيم. لكن إن كنت تسأل، فما يهم حقًا هو ماذا ستفعل بما رأيت؟
صمت الشاب، ثم قال بصوت منخفض:
– لا أؤمن بالبدائل. العائلة ليست شيئًا يمكن أن أبحث عن نسخة أخرى منه. لا يمكن استبدال الأصل.
هنا، تغيرت ملامح العجوز إلى الجدية، ونظر في عيني الشاب مباشرة:
– الأصل؟ هل تعرف ما هو الأصل حقًا؟
لم يُجب الشاب، فأكمل العجوز بهدوء:
– الأصل ليس الأشخاص، بل ما تركوه فيك. قد تكون عائلتك من أنجبك، لكنها ليست بالضرورة من يوجهك.
ليس كل من حمل دمك حمل نورك.
وليس كل من لم يحمل اسمك كان غريبًا عنك.
بعض الروابط تُخلق في القلب لا في الدم.
لكنك على حق في شيء… لا بديل عن الأصل، لأن الأصل ليس العائلة نفسها، بل الحقيقة التي أنت عليها.
فالبشر يتوارثون عبر الأجيال جينات تظهر في بعض دون بعض، أنت نتاج كل من سبقوك، أصلك هو جذرك الممدود في الأرض، بعض الجذور صغيرة ضعيفة ظاهرة مكشوفة، والبعض ممدودة إلى باطن الأرض.
العائلات كالأشجار، ليس كل فرع فيها ينمو ليصير غصنًا، وليس كل غصن يتصل بالجذر.
من امتلك الاتصال بالجذر اتصل بالأصل.
لا أحد يختار عائلته ولا يحصل الإخوة على ذات العائلة، العائلة تختلف من يوم لآخر ومن ظرف لآخر، فتختلف شخصيات أطفالهم باختلاف تجربتهم، أنت تولد داخل العائلة أثناء ما هم يمرون بتجارب تؤثر تباعًا في تجربتك، لذلك ليس كل فرع وليس كل غصن حاملًا لذات التكوين والأصل، لكن يظل في المجمل الأهل هم الأصل ولا بديل عن الأصل.
نظر الشاب إليه، وكأنه أدرك شيئًا كان يهرب منه طوال حياته. سأل بصوت أكثر هدوءًا:
– إذن، إن لم أجد دعمي هناك، فماذا أفعل؟
أشار العجوز إلى السماء، حيث كان القمر لا يزال مضيئًا وسط السحب المتفرقة، وقال:
– عندما يُضيء القمر، لا يسأل من أين جاء نوره، بل يضيء فحسب.
عندما تعرف من أنت، لن تبحث عن الضوء، بل ستصبحه.
_ العائلة يمكن أن تُكوِّن:
• حظ: لأنها شيء لا نختاره، بل نُولد فيه، وقد يكون جيدًا أو صعبًا حسب الظروف والأشخاص المحيطين.
البعض يولد في عائلات تدعمه وتمنحه الأمان، وآخرون قد يجدون أنفسهم في بيئات قاسية أو غير منصفة، فيشعرون أن الأمر "حظ سيئ".
• هبة: لأنها تمنح لنا لا أحد اختار أهله وتمنحنا الانتماء الأول، والدفء، وتعلّمنا الحب، والتواصل، وتحملنا في اللحظات الصعبة حتى لو لم تكن مثالية دائمًا.
العائلة مرحلة للتأهيل في وعي كل فرد.
• المحظوظ من تكون له كلاهما: حظ حين وُلد فيها، وهبة وجد منها الدعم الحقيقي.
• ولا تنسَ أنه بإمكانك أن تصنع لنفسك عائلة تختارها لاحقًا في الحياة.
ساد الصمت بينهما، بينما ألقى الشاب نظرة أخيرة على النار المتراقصة. في تلك اللحظة، أدرك أن الإجابة لم تكن في السؤال، بل في رحلته لفهمه.
— لقد فهم:
العائلة ليست مجرد أشخاص نرتبط بهم اجتماعيًا، بل هي جذر أساسي لا يمكن استبداله جميعنا نحتاجه بالأخص في المراحل الأولى من العمر للبقاء ثم للتعلم ثم للتأهيل...
ربما يكون البديل موجودًا للبعض، لكنه لا يُعوِّض الأصل. يمكن أن نجد أشخاصًا داعمين، لكنهم يظلون "آخرين"، وليسوا امتدادًا حقيقيًا لما يفترض أن تمثله العائلة.
ربما لهذا السبب، عندما تكون العائلة مؤذية أو غير داعمة، لا يكون الحل الحقيقي هو استبدالها، بل مواجهة تأثيرها علينا وفهم كيف نشكّل علاقتنا معها، سواء بالقبول، التجاوز، أو حتى مواجهتها إذا لزم الأمر.
العائلة في أصلها هبة، لأنها الشيء الأول الذي يُعطى لنا دون طلب، منحتنا الحياة والانتماء الأول. لكن الحظ يتدخل عندما تتحول هذه الهبة إلى نعمة حقيقية بالدعم والحب، أو عبء إذا كانت بيئة غير صحية.
والأجمل أن الحظ لا يتوقف عند العائلة البيولوجية، بل يمكننا العثور على عائلات أخرى نكوِّنها بأنفسنا، من أصدقاء أو أشخاص يشاركوننا القيم والدعم.
في النهاية، العائلة الحقيقية هي التي تمنحك القوة، سواء وُلدت فيها أم وجدتها أو صنعتها لاحقًا.