سلسلة حقوق المرأة | الذبح بأيدي الأقربين
في قرية صغيرة، خلف مدينة مكتظة، حيث تتردد الأصوات بين الجدران وتُدفن الضمائر تحت وطأة التقاليد، وُلدت فتاة لم تكن تعلم أن جسدها ليس ملكها.
كانت طفلة تحلم بأحلام بريئة، لا تعرف حدود الألم، حين قرر الأقربون -أولئك الذين كان يُفترض بهم أن يكونوا درعها وأمانها- أن يسلموها لسكين الختان.
لم تُسأل، لم تُعطَ خيارًا.
كان القرار قد اتُخذ في الخفاء، بعيدًا عن عينيها النقيتين.
لم يكونوا وحدهم في ذلك.
المجتمع، بكل أحكامه الصامتة أو الصارخة، وقف إما متواطئًا أو متفرجًا.
جاءت الفتاوى والتبريرات كالسياط، تلطخت بكلمات مشوهة لدين لم يكن قلبها يعرفه بعد. "هذا تطهير"، "حماية"، "هذا واجب"، قالوا وأضافوا. لكنها، وهي تصرخ في صمتها، لم ترَ سوى ذبحًا لروحها، لشخصها، كرامتها، سلامتها، للأمان، لحقها في أن تكون إنسانة كاملة.
فالختان كسر لا يمكن إصلاحه، وذنب لا يمكن غفرانه، وجريمة لا تُغتفر، عقوبة لجريمة باطلة: أن تُخلق أنثى في بلاد الظلام التي يسودها باطنها قبل ظاهرها. راح ضحاياها كثيرون، قوتها وألمها كعقوبة حرق النساء المختلفات على عمود نار بادعاءات وهمية.
فالختان حرق حي لا تطفئ ناره، بل تظهر في تبلد مشاعر وجسد، جرح لا يزول أثره ولا يموت ولا يقل، لأنه يقتل الروح والنفس قبل الجسد.
من كان يُفترض به الأمان لم يكتفِ بجريمته. وقف بعدها كأنه بطل، يتحدث بسلطة كما لو أن يديه لم تتلطخا بدماء ألمها. وفي زوايا المجتمع، كان الهمس: "هي الفاسدة، هي المذنبة لأنها أنثى". لكنها لم تكن سوى طفلة، لم تختر شيئًا مما فُرض عليها.
خلقها الإله أنثى، هل ذنبها أنها خُلقت أنثى، أم ذنب مجتمعٍ شوه الفطرة وسلبها حقها في الأمان؟ من حاولوا كسرها وهي طفلة عادوا ليزعموا أن "السماء برّأتهم"، كأن العدالة تُمنح لمن لا يستحقها.
لكنها كانت تنظر إلى السماء، تتساءل في أعماقها: "متى ستقتص لي؟ متى ستنطق العدالة باسمي؟" وتثق بأن يومًا ما السماء تستجيب، "من ظن أن السماء قد برأته من ذنبه، فليعلم أن حسابه مضاعف، فمن تعالى ونسي فعله، فقد أضاع رحمة السماء. العدل والرحمة حين يلتقيان تكون الفرصة أخيرة، وإن لم يخشع الإنسان، فلا يبقى إلا العدل نافذًا بسيفه القاطع."
الكوابيس أصبحت رفيقتها. كل ليلة، كانت ترى السكين تقترب في كوابيسها، لكن ليس منها فقط، بل من كل فتاة قريبة لها، من كل فتاة حولها.
كانت ترى من يُفترض بهم الحماية يحولون الأمان إلى خوف، والدفء إلى صقيع. زمن وفئات تحولت فيها الرجولة إلى ذكورية قاتلة، ذكور يذبحون الإناث في طفولتهن ليخفوا قصورهم وقلة رجولتهم، مدافعين عن الذكور الآخرين حتى تحول غالبية الأجيال إلى ذكور لا رجال. ذكور يظللون ظلال الرعب فوق الأبرياء، لم يتعلموا من التاريخ. فكل امرأة حُرقت على عمود تركت لعنتها تحرق الأرض من تحت قاتليها، وكل من فوّضت أمرها منهن للسماء احترقت القرى أثر مقتلهن. فما بالك بمن ذُبحت حية وعاشت بموت داخلها يتسلل في كوابيسها كل ليلة، مرات ليغطيها، مرات ليلتهمها، ومرات ليقتات على ما تبقى من حياة فيها.
مع كل استيقاظ، تدرك أن الجريمة لم تنتهِ، أنها جريمة حية ما حييت ضحاياها، تعيش في نظراتهم، في كلماتهم، في صمت من حولها، في كل صوت ينادي بفعل تلك الجريمة المستمرة، في ألم لا يغفو ولا ينام، بل أحيانًا من حدته يخبرها أن تقتل قاتلها.
ورغم كل شيء، لم تمت تمامًا، ولم تعش كما ينبغي. في داخلها، كان صوت يرفض الصمت، يرفض أن تُكتب روايتها بيد غيرها. لم يكن ذبحها سلاحًا يقتل الفتاة مرة وينتهي، بل ألف مرة كل لحظة. لم يكن المجتمع وحده من حكم عليها، بل كل من خانوا معنى الإنسانية فيه.
وبين أنقاض طفولتها، كانت تجمع شتات قوتها، تنتظر اليوم الذي تتحرر فيه، ليس فقط من أيديهم، بل من شبح السكين التي لا تزال تطاردها، وتسمع استجابة سؤالها الذي لا يزال يتردد: "متى ستقتص السماء؟ متى تُستعاد الرجولة الحقة، ويُدفن عهد الذكور الزائفين؟" الذكورة شيء يولد به الإنسان، لكنها لا تعني أكثر من صفة بيولوجية، أما الرجولة فهي اختيار، مسؤولية، شجاعة لا تعني البطش، بل تعني الحماية، لا تعني التحكم، بل العدل. الذكر قد يولد، لكن الرجل يُصنع بمواقفه وأفعاله. وما رأته طوال حياتها لم يكن إلا ذكورًا اختبأوا خلف القوة الفارغة، بينما الرجولة الحقة، إن وُجدت، كانت صامتة في الظل، تخشى المواجهة، أو ربما كانت قد قُتلت منذ زمن بعيد.
على غرار المادة (242 مكرراً) من قانون العقوبات:
"يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختانًا لأنثى بإزالة أي جزء من أعضائها التناسلية الخارجية بشكل جزئي أو كلي أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء."