أسرار الإرادة | وطن ام جسر
في قرية صغيرة تحيط بها جبال سوداء، كأنها جدران حارسة لأسرار منسية، وُلد زيد تحت سماء مثقلة بالغيوم. الأرض التي يولد فيها الإنسان تشكل جزءًا أساسيًا من هويته، تمامًا كما يفعل الأهل، فهي تهيئه لما قُدر له أن يحققه.
منذ طفولته، شعر زيد بأن روحه غريبة عن هذا المكان، وكأن الأرض التي يسير عليها ليست موطنه الحقيقي. ظل يتساءل: "لماذا وُلدت هنا؟" لكن مع مرور الوقت أدرك أن هذه الأرض قد لا تكون نهايته، بل درسًا يُعدّه لما هو أبعد، أو محطة تعبر به محنة لم تتضح معالمها بعد.
كان زيد يرى الخير والشر يتجاذبان كل شيء من حوله. في عيني جاره العجوز، كان هناك دفء وحكمة، لكنه أحيانًا لمح بريق حقد خفي. الرياح التي تهب على الحقول كانت تحمل نسيمًا منعشًا في بعض الأيام، لكنها تتحول أحيانًا إلى عواصف تدمر المحاصيل. حتى في أعماق قلبه، كان يشعر بذلك الصراع الأبدي. ذات ليلة، جلس تحت شجرة زيتون عتيقة وهمس:
"هل سأظل أسير هذا التناقض إلى الأبد؟"
في صباح اليوم التالي، بينما كان يتجول في الغابة، سمع صوتًا خافتًا كأنه نغمة من عالم آخر. تبعه حتى وصل إلى كهف مخفي خلف شلال صغير. في داخله، وجد مرآة قديمة مغطاة بالغبار. مسحها بيده، وحين نظر إلى انعكاسه، رأى وجهين: أحدهما مشع كالشمس، والآخر مظلم كليل بلا قمر. فجأة، انطلق صوت من المرآة:
"زيد، أنت ابن النور، لكن الظلام يعيش فيك أيضًا. لا تخف منه، فهو جزء منك."
"لكن لماذا أنا هنا، في هذه الأرض؟" سأل زيد بصوت مرتجف.
"ليست كل أرض موطنًا أبديًا. أحيانًا تكون درسًا يشكّلك، أو جسرًا يعبر بك إلى ما هو مقدّر لك. الزمن دائرة تدور، وقوة ثباتك هي ما يبقيك واقفًا فيها."
"الخير والشر يسكنان كل حي، حتى في الأرض ذاتها. ابن الموت للموت، وابن الحياة للحياة. ابن الظلام يعيش في كنف الظلام، وابن النور يحيا في ضياء النور. لكل روح بصمة ومهمة خُلق لأجلها، وطاقة هو امتداد لها."
عاد زيد إلى القرية بعينين تحملان نظرة جديدة. بدأ يرى أن هذا المكان قد يكون محطة، لا وجهة نهائية، وأن الزمن ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرة تتكرر فيها الدروس. كل فكرة مشرقة يحملها، تقابلها فكرة مظلمة: "ماذا لو…؟"، وكل همسة أمل تُقابلها همسات شك من الآخرين: "لماذا يظن…؟" لكنه لم يستسلم. أدرك أن قوة الفكر النقي تنتشر وتبقى، بينما الضعف يتلاشى في ثنيات الزمن، حيث تتكرر الأخطاء وتُنسى الدروس.
مرت السنوات وكبر زيد ليصبح شابًا قويًا ذو حضور هادئ. لكن الظلام لم يترك القرية، بل جاء ليلة حالكة لا تشبه ليالي البشر. كانت ليلة خلت من الهواء، فرّ كل شيء منها، وزرعت الخوف في القلوب. تذكر زيد كلام المرآة، وقرر مواجهة الظلام. في طريقه، التقى بجمع من أهل القرية مجتمعين في ساحة صغيرة.
"إلى أين أنت ذاهب؟" سأله أحدهم.
"هل أرحل بينما يسود الظلام؟" قال زيد بصوت واضح.
"وماذا يمكننا أن نفعل؟ نحن ضعفاء!" قال رجل عجوز بنبرة يائسة.
"الضعف ليس في أجسادنا، بل في طاقتنا المستنزفة، ومشاعرنا اليابسة، وفطرتنا الملوثة. إذا اخترنا النور وآمنا به داخلنا، سنصبح أقوى من أي ظلام. الزمن دائرة تدور، وإن لم نتمسك بقوة أفكار النور داخلنا، سنسقط في فجواتها. نحن خُلقنا بفكرة، نزلنا الأرض بفكرة، والمشاعر تولّد الفكر، والفكر يصنع الأفعال، وأفعالنا تحدد حاضرنا وترسم ملامح غدنا. مع كل فكرة نور، تولد فكرة ظلام تقابلها، لكنها بدورها قد تلد نورًا أقوى، لأن الأفكار تدور في الزمن، تظهر وتختفي، حتى تتجلى في معتقد يسود، في أقوال وأفعال تتحول إلى واقع."
نظر إليه الرجل العجوز بدهشة، ثم قال:
"لكن الخوف يسيطر علينا، يا زيد. كيف نختار النور وقلوبنا ترتجف؟"
"الخوف جزء من الدائرة، لكنه ليس الدائرة كلها. إنه مجرد إحساس، وُجد لينبهنا ويدفعنا للتطور، لا لنستسلم له. الخوف يصبح جريمة عندما يشلّنا ويمنعنا من التقدم. إذا أشعلنا شعلة الإيمان داخل أرواحنا، ستحترق ظلال الخوف، وسنمضي مع دوران الزمن دون أن يلتهمنا بعدما التهم أيامنا وأعمارنا وحتى فرحتنا."
لم يكن الأمر سهلاً، لكن زيد لم يتوقف. واجه الظلام بالحقيقة، مستخدمًا ذكاءه الذي صُقل بالصبر والاختبار في هذه الأرض القاسية. بدا وكأنه نسخة حديثة من بطل قديم سمع عنه في حكايات الجدات، رجل وُلد في ظلال الطغيان ليخرج بالناس إلى النور.
ورغم أنه نجح، إلا أن زيد لم يبقَ في القرية بعد ذلك. في ليلة هادئة، وقف على تلة تطل على الجبال ونظر إلى الأفق البعيد. قال لنفسه:
"هذه الأرض كانت درسًا، لكنها ليست موطني الأخير. الزمن دائرة تدور، ومرات تكون مفرغة. قوة الفكر تمنحنا الاستمرار، بينما ضعفه يُسقطنا في ثنيات الزمن المظلمة. لقد اخترت النور في قلبي، وسأحمله أينما ذهبت."
ثم حمل عصاه وانطلق نحو المجهول، واثقًا أن كل ظلام يحمل بذرة نور، وأن الزمن سيظل يدور، يخفي ويكشف، حتى تتجلى الحقيقة. أما في القرية، فقد بقيت حكايته تُروى، ليس كبطل عاش بينهم إلى الأبد، بل كغريب عبر بهم خلال محنتهم ومحنته، تاركًا وراءه نورًا يُذكّرهم أن قوة الفكر هي مفتاح الاستمرار في دوران الزمن، بينما الضعف يسقط صاحبه في ثناياه المظلمة.
كان الضعف في طاقتهم، ومشاعرهم، وفطرتهم، لكنه كان بإمكانهم تحويله إلى قوة، لو فقط آمنوا بالنور الذي يسكن في أعماقهم.