حديث عابر
حديث عابر
عابرٌ يعريه الزمن سبيل،
كلؤلؤٍ قطراتٍ سطحه تحت الشمس تعكس دفءَ الحنين لزمنٍ لا يلين.
في بعض ساعاته يميل لليلٍ دفين، وفي نفحاته نسيم عبير ربيع حبٍّ عابرٍ بين ضفافي النيل.
لكل طَلّةٍ زمانٍ ومكانٍ، وكأنه يغيّر الوجوه مع العبور.
من كان صادقًا معه، ومن دفن أسراره فيه، حتى السمك يغوص ويزحف على ضفافه إن وجد سبيلًا.
الإنسان القديم أنشأ حياته على ضفافه عبر البلدان والأودية،
كان شريانَ الحياة، نهرًا يبحر من بحرٍ إلى محيط.
لكن، وإن ثبت المكان وظل كما كان، فلا الزمان ولا الإنسان يظل كما كان.
وبعدما كنا نحتفل بالنيل، أصبحنا نفرّ هاربين من فيضانه.
نهرٌ يبحر في النفوس، ولا يبحر في مجراه القديم.
نهرٌ لوّثه الإنسان، فأفقد جزءًا منه لونَ وعطرَ سنين.
لم يعد لأحدٍ حنين، ولا لقلبٍ أنينٌ يحكيه للنيل.
لم يضمحلّ الحب في القلوب، بل ضاق النيل من سماع الأنين.
وذات يومٍ، كان عابرُ سبيلٍ في ليلٍ صقيعٍ قارص،
بنظراته الحادّة البائسة يخاطب النيل قائلًا:
«مالك صامت؟ وداخلي ألف لونٍ ووعدٍ ومكانٍ وقلبٍ مهان!
ألا تنظر حالَ من نظرك؟
أيها الأخرس المتعجرف، تثور فتلتهم قرًى، وتهدأ فتسمدّ أرضًا،
ولا تطيب جرحَ قلبي بصمتك العليل.
أيها المتغطرس بقوتك المتماسكة رغم تفتتك قطرات،
يُقال إنك تتشكّل مع النغمات، وأنا لا أرى في شكلك إلا صمتًا ثقيلًا،
وكأنك تثقل عليّ، ولا تحتوي همساتِ روحٍ عليلٍ مثلي.»
«مالك ولي، يا بائسًا مخلوقًا من طين؟»
ردّ النيل...
صُدم العابر لوهلة،
فضحك شيخٌ كبيرٌ جالسٌ بجواره منذ ساعاتٍ قرب مركب صيده القديم.
انتبه العابر والتفت إليه قائلًا:
«من أنت؟ ولمَ تضحك بسخريةٍ عليّ؟»
أشار الشيخ إلى النيل وقال:
«أراه وأبحر فيه، هو دواءٌ للعليل،
لكنك لم تبح له بعِلّتك، بل بغضبك.»
قال العابر:
«لا، أنا لم أغضب، ولستُ بغاضب.»
وتحت صمود نظرات الشيخ بعدما أدرك أنه أعمى، أردف قائلًا:
«أنا غاضبٌ من ضحكاتك عليّ!»
ابتسم الشيخ وقال:
«يُقال إن حورية البحر تزور كلَّ بدرٍ فرعًا من النيل وتخاطب صيّادي السمك.
أبحرتُ زمانًا وزمانين لأؤنس وحدتي بها، ولم أُبصر غير وجهي في النيل،
إلى أن أدركتُ: لا أُنسَ لمن لم يتأنّس بنفسه.
اكسب غضبك وألمك على الضفاف، وانظر نفسك بعدها،
ستُبصر وجهًا غير الوجه الذي بدأتَ التملّق له به.
النيل مرآةٌ للإنسان والزمن: ثابتٌ في مكانه،
لكن صورته تتغيّر بحسب من يعبر ضفافه انعكاس المعكوس.»
صمت العابر وهدأ،
وكان هذا كلَّ ما في الأمر عند قدومه للنيل.