حكايات مع الجدة | أم حنين
في ذلك اليوم، جاءت الجدة بصحبة الجدة الأخرى إلى منزلنا.
قالت الصغيرة وهي تلهو بضحكة بريئة:
– في منزلنا حامل يا جدو!
ضحك الجد وقال ممازحًا:
– يا للهول! هههههه.
تغيّر الجو في البيت، واستعد الجميع لمولودٍ جديدٍ قادمٍ عن قريب، بين نشوة الفرح ولهفة الانتظار.
فهو أول حفيد في العائلة، وأول مولود يرى النور في بيت والديه.
اقتربت الصغيرة من جدتها وسألتها بفضول:
– جدتي، هل صحيح أن الطفل في بطن أمه يشعر بما حوله؟
ابتسمت الجدة بحنان وربتت على رأسها:
– نعم يا حبيبتي، بل أكثر مما تظنين.
الطفل يشعر بالحب المتبادل بين أمه وأبيه منذ لحظة تكوينه الأولى.
يتغذّى ليس فقط من الطعام، بل من المشاعر التي تحيط به أيضًا.
– يعني هو حاسس بينا دلوقتي؟
– نعم، بكل تأكيد يا صغيرة.
ضحكت الطفلة وقالت بحماس:
– إذًا سأحكي له قصة “أمنا الغولة”، وأخيفه قليلًا حتى لا يسمع كلامي، فيصبح أشقى مني!
– ههههه، وهل كسرتِ شيئًا هذه المرة؟
– لا والله، هو الذي وقع وأنا كنت أجري!
– لا تخبري أحدًا إذًا.
– لم أفعل، لكن أمي رأت وقالت: هذا سر بيننا.
– ههههه، إنها تدللك كالعادة يا مشاغبة.
قالت الصغيرة بعد لحظة تفكير:
– أريده ولدًا يلعب معي كرة القدم والمصارعة الحرة! أنا أشعر بالملل من البنات!
– لكنها فتاة يا حبيبتي، هذا ما أخبرتنا به خالتك. ولهذا اشترينا لها ملابس وردية جميلة.
– لاااا! أعيدوها وبدلوها! أريد أن نشتري بدلًا منها سيارات وألعاب أكشن من محل الألعاب الكبير في السوق!
– هههههه، توقفي يا مشاغبة، لا يمكن أن نبدل الأمر، فهي ليست دمية!
– حسنًا، سأطلب من الساحرة أن تغيّرها أو أضربها بعصاي السحرية!
– ومن أين جئتِ بهذه الأفكار الغريبة؟
– من فيلم بينوكيو!
– هذا ليس صحيحًا يا صغيرة. والآن، اذهبي لتلعبي قليلًا.
بعد لحظات، دخلت الأم الغرفة متعبة. قال الطبيب وهو يطمئن الجدة:
– تحتاج للراحة، فقد كانت متوترة البارحة بعد مشاجرتها مع زوجها.
تنهّدت الجدة وقالت بقلق:
– هذا المخبول! كيف يشاجرها وهي حامل؟ وأين سيقضي الطفل أسبوعه الأول؟
– بالطبع في بيتنا، كيف يسمح لنفسه أن يزعجها في مثل هذا الوقت؟
قال الطبيب:
– علم النفس قبل الولادة يؤكد أن الجنين يتأثر عاطفيًا بمشاعر الأم منذ المراحل الأولى للحمل.
فقد "يسجل" إحساسًا بالقبول أو الرفض، حتى لو لم يُقال له شيء.
مثلًا، إن كانت الأم غير مستعدة للحمل أو تشعر بالخوف، ينمو داخل الطفل شعور بعدم الأمان أو الخوف.
وحين يكبر، قد تظهر عليه مخاوف من الفقد أو إحساس بأنه غير مرغوب فيه، وغالبًا ما تكون جذوره في فترة الحمل نفسها.
من الناحية العلمية والبيولوجية:
المشاعر تغيّر كيمياء الجسد، والهرمونات تنتقل عبر المشيمة إلى الجنين.
هرمونات مثل الكورتيزول (القلق) أو الأوكسيتوسين (الحب) تشكّل البيئة التي يعيش فيها الطفل داخل رحم أمه.
بل إن دماغ الجنين يتأثر مباشرة بإشارات الأم العصبية.
قالت الجدة بصوت يملؤه الإيمان:
– نعم يا ابنتي، المشاعر والأفكار تؤثر بعمق في رحلة الطفل منذ لحظة تكوينه.
فالجنين ليس مجرد جسد يتكوّن، بل كيان نفسي وروحي يتشكّل بطاقة أمه وأبيه.
النية، والحب، والسلام الداخلي، كلها ضرورية لهما ولروحه القادمة.
الروح تختار بيئتها بحسب طاقة الأم والأب؛ فإن كان بينهما حب ووعي واحتواء، جاءت روح متناغمة مع هذا النور.
فالطفل يبدأ في الشعور والتخزين العاطفي وهو ما يزال جنينًا، لا فقط عبر السمع، بل عبر مجاله الطاقي المحيط به.
عندها قالت الأم مبتسمة وهي تنهض ببطء:
– حسنًا يا أمي، كلميه أنتِ قليلًا…
ثم نادت بصوتها الحنون:
– يلا يا حبايبي، الغداء جاهز!