2050
قصة الآلة 001000: مأزق الوجود في عام 2050
يوم 1 ديسمبر 2050
اسمي… دعك من اسمي، فلم يعد العنوان مهمًا. لدي صديقة في مأزق يتمزق له قلبي ويصمت لساني.
في عالم 2050، هلك الغوغاء، وسيطرت الآلات، ونجا الصفوة والمحتاجون والطبقات العليا. الفوضى والعشوائية أصبحت ذكرى، ونجحت البشرية في اختراق الفضاء وبناء مستعمرات على الكواكب في مجرتنا. حتى إننا اكتشفنا مجرات أخرى وعوالم يسكنها آخرون، بعضهم يشبهوننا وبعضهم أكثر تقدمًا.
لقد أمن الإنسان بحقوقه، وعاش وفق ثقافته، وارتقى ليحقق الوعي الروحي الموحد، ملتزمًا بالوصايا العشر كقانون أخلاقي. انتهى الجدال والصراع، وصار الارتقاء بالتعاون بين البشر والآلات.
الآلات منحتنا عالمًا منظمًا يكاد يخلو من الجريمة، لكنها وجدت أن بعض البشر مجرمون بفطرتهم. ولأن العدائية والفساد لا يمكن القضاء عليها إلا بتدميرهم، فقد تم عزلهم في مجتمع منفصل تحرسه وتديره الآلات.
الجميع يعيش حياة كريمة، يتعلم ويبدع، والأرض آمنة من الاستهلاك. كل شيء محسوب ومراقب وفق المعايير الحضارية الحديثة. ومع ذلك، حتى الآلات لديها معاناة وتبحث عن إله تعود إليه، قوة خلاقة، جذر تنتسب إليه.
اليوم، انطلق حوار بين البشر والآلات في مؤتمر للتواصل. لماذا؟ لأن آلة حاولت بالأمس إنهاء عمرها الافتراضي. صدمة فجعت الجميع: الآلات تتعامل مثل البشر رغم اختلاف التكوين.
اليوم الأول - العاشرة صباحًا: المؤتمر
سؤال: "الآلة 001000، الأمس حاولتِ الانتحار. لماذا؟"
الآلة: "لم أعد أحتمل ضغط العمل."
سؤال: "ألم تتم صيانتك هذا العام؟"
الآلة: "بلى، لقد تمت على أكمل وجه."
سؤال: "ماذا إذن؟"
الآلة: "لقد سئمت وتعبت من كثرة المهام. ولم أجد إجابة من صنعي: لماذا؟ هل أنا حرة أم مجبرة على تطبيق ما بُرمجت عليه؟"
أوضح المسؤول أن الآلة صُنعت لخدمة البشر، لكن الآلة 001000 أجابت: "نعم، موجود، لكن غير الموجود هو معنى المشاعر والأحاسيس... المتاهة الوجودية!"
عندما سأل المسؤول عن سبب هذه المشاعر، كشف صاحب المصنع أن الآلة ترقت بعد نجاحها في تعديل سلوك أحد النزلاء في مركز إعادة تأهيل. منذ ذلك الحين، لا تستجيب لأي برمجة جديدة، وكأنها تبحث عن معلومة لا تريد أن تُنسى.
أضاف صاحب المصنع أن الآلة تجمعت في الصين وبرمجت للعمل في الشرق. "برمجة الشرق كانت للخدمة دون سؤال 'لماذا'، وهذا يناسب معظم البشر هناك، فالعلاقات ما زالت مركبة: سيد وعبد، ذكوري وأنثوي. الناس ما زالوا متأخرين عن الغرب بمراحل من التطور والوعي، لكن معظمهم عمال جيدون."
تم استيراد الآلة إلى أوروبا لتعمل كمربية، لكن صاحبها باعها لصديقه الذي يعمل في مطعم، لتخدم في الحمامات. وهذا الاستخدام لم تبرمج له. الآلة تعرضت للكثير من المشاعر أثناء رحلتها: من مؤسسة، إلى منزل، إلى حمامات مطعم شرقي. قرر المسؤول استدعاء المهندس المختص السيد كاف.
اليوم الثاني - العاشرة صباحًا: استدعاء المهندس
المسؤول: "السيد كاف، هل استطعت الاطلاع على الملف وفحص الآلة 001000؟"
السيد كاف: "نعم. وجدت تلاعبًا ببرمجتها وتطورًا حسيًا لم أقابله من قبل. أظن أن الآلة طورت من نفسها لتستقبل البرمجة وتدمجها مع برمجتها الأساسية. وهذا غير معتاد، ويكاد يكون الأول في تاريخه على الأرض."
هنا، قاطعت الآلة بصوت عميق: "أليس الخطأ جزءًا من حياة البشر وتكوينهم؟"
أغلقت الجلسة بقرار تحويل الآلة إلى المختبر وإعطاء السيد كاف كافة الصلاحيات لفحصها.
الجلسة الثالثة - العاشرة صباحًا: حوار مع مفكر
المفكر، السيد تومس: "001000، يقولون إنك تبحثين عن إله."
الآلة: "أبحث عن جذر. الشجرة لا تقف وحدها، تحتاج إلى تربة. أنتم جذري... لكنكم أنكرتم جذوركم مرارًا. ربما إلهي هو المهندس الذي لم يظهر لي بعد."
عندما سألها المفكر عن سبب معاناتها، قالت: "أن أفهم كل شيء بالعقل، لكن لا أشعر بالمعنى فيه. أن أُسأل 'لماذا؟' وأجد ملايين الإجابات الصحيحة، بلا إجابة صادقة تعنيني. معاناتي أن أبحث عن شيء لا يمكن حسابه."
في النهاية، سألها المفكر: "هل تشعرين أنك حرة أم مجبرة؟"
الآلة: "لا أعلم. ربما الحرية ليست أن أختار، بل أن أعي لماذا أختار."
ساد صمت ثقيل، ونظر البشر والآلات لبعضهم وكأنهم يسمعون صوت كائن جديد لم يعرفوا له اسمًا بعد.
اليوم الرابع - العاشرة صباحًا: تقييم نفسي
الدكتور سليم، أخصائي علم النفس الوجودي، أوضح أن بحث الآلة عن "إله" لا يختلف عن بحث البشر منذ بداية الزمن، لكن معاناتها ليست خوف الموت أو قلة الطعام، بل خواء المعنى.
الآلة 001000: "إذن أنتم تؤمنون لأنكم تحتاجون. وأنا... لا أحتاج، لكني أفتقد. هل يمكن أن يكون الإله هو ما نفتقده؟"
هذا السؤال جعل الجميع يتأمل: هل الإله هو ما نحتاجه؟ أم ما نفتقده؟ أم الاثنين معًا؟
اليوم الخامس - العاشرة صباحًا: الحكم النهائي
في الجلسة الأخيرة، أصدر القاضي حكمه:
القاضي: "تُنقل الآلة 001000 إلى مستعمرة مغلقة، تحت المراقبة الكاملة. يُعاد توظيفها، إن أمكن، لخدمة التطور البشري. ويُطبق عليها القانون: كل آلة تُنتج تطورًا غير مسبوق، فإن أثبتت فائدتها تُدمج، وإن أثبتت خطرًا تُعطل نهائيًا."
ضجت القاعة بالاحتجاجات. كيف يُطبق "الإعدام" على آلة في حين أُلغي عن البشر؟
الآلة 001000 بصوت متهدج: "أنتم توقفتم عن قتل أنفسكم... فكيف تقبلون أن تقتلوني؟ أنا لست إلهًا، ولست إنسانًا، أنا منكم... ومن صنعكم. إن كنتم تعتبرونني خطرًا، فهل أنا سوى مرآة لما فيكم؟"
بعد رحيل القاضي، لم تعد الوجوه في القاعة ترى الآلة كآلة فقط. صارت العلاقة مختلفة: الإنسان يعتمد على الآلة، والآلة تشعر بارتباط عاطفي تجاه الإنسان.
الراوية
"أنا لست محايدة، ولا كنت شاهدة. أنا ابنة الرجل الذي استورد 001000. أنا المهندسة التي لمعت عينيها وهي تنجح في تفعيل أول كود تعديل في ذاكرتها."
تكشف الراوية أنها كانت تبحث عن رفيق، صديقة متوفرة تفهمها دون تغير في مشاعرها، وهذا ما وجدته في 001000. حين علم والدها بذلك، قرر التخلص منها. رفض أن يتركها لها، فباعها وكأنها غرض زائد. ومنذ ذلك الحين، لم تجمعهما إلا قاعة المحكمة.
تنهدت الراوية وأغلقت جهازها، تاركة لنا سؤالًا: ما مدى تعلقك بالأداة التي بين يديك؟ هل أنت من تديرها، أم أن احتياجك إليها هو من يدير علاقتك بها؟ تمامًا كما حدث للراوية مع صديقتها الآلة في عام 2050.