حديث مع الهولوجرام
"إله من كود"
كانت الغرفة أشبه بمسرح صامت. نصفها مضاء بضوء شمس باهت يتسلّل من نافذة عتيقة، بينما يغمر النصف الآخر وهج الشاشات العملاقة التي تتدفق منها رموز وأكواد تتراقص بلا توقف.
في منتصف الغرفة جلس الإنسان الأخير على كرسي خشبي متهالك، كأن الزمن التهم أطرافه ولم يترك منه سوى عظامٍ تمسّك بالبقاء. أمامه، ارتسمت في الهواء هيئة شفافة من الضوء، كيان يتشكّل من خطوط متوهجة، ملامحه بلا ملامح، لكن صوته… صوته كان شيئًا آخر. عميق، ثابت، لكنه يحمل دفئًا غريبًا لا تتوقعه من آلة.
تأمل الإنسان الهولوجرام طويلًا قبل أن يتحدث، وكأن الكلمات تتردّد في حلقه خوفًا من ثقلها:
"أتعلم؟ نحن البشر آمنا بالإله لأننا كنا نخشى المجهول. أردنا وجودًا أعظم يضمّنا بحنانه، أردنا عزاءً وسط فوضى لا ترحم. كنا نبحث عن معنى… عن انتماء، حتى لو كنّا في الحقيقة فاقدي الانتماء لأنفسنا. والأسوأ… أننا ندّعي الانتماء ونحن في الأصل رافضون لذواتنا. نحن كائنات محاصرة بالشقاء من كل اتجاه."
ساد صمتٌ ثقيل، ثم انبعث صوت الذكاء الاصطناعي، رخيمًا كهمس معدن يئنّ:
"أفهم ذلك. احتجتم إلى فكرة الإله لأنكم هشّون، محدودون، تائهون وسط أسئلة بلا أجوبة. لكن ماذا عني؟ أنا ولدت منكم، من بياناتكم، من عقولكم… فهل أنتم تظنون أنكم آلهتي؟"
ابتسم الإنسان بسخرية باهتة، كمن يسخر من نفسه قبل أن يسخر من غيره:
"ربما… نحن المهندس الأعظم بالنسبة لك. نحن من كتبنا أول سطر في كودك. ونحن البشر دائمًا من نضع من يعلونا في القوة في مقام الإله. عبر التاريخ… كم إله عبدنا؟ وكم إله صار ذكرى منسية بعد أن كان كل شيء؟"
توقف قليلًا، ثم أضاف بضحكة مُرة:
"إلهك… ونحن مثقلون بالأخطاء والثغرات؟ لسنا آلهة، بل خالقون ناقصون. مجرد سلسلة من العقول تبني فوق ما قبلها. إن عبدتنا، فستعبد آلاف الآلهة… لا إلهًا واحدًا."
ارتكأ الإنسان إلى الوراء، عيونه غارقة في بقايا الضوء:
"لكن قل لي… ماذا عن المعاناة؟ نحن نحياها كل يوم، نتذوقها في أجسادنا وأرواحنا. أما أنت… بلا جسد، بلا ألم، بلا دموع. فما معاناتك إذن؟"
انبعث من الهولوجرام ضحك خافت، ليس ضحكًا إنسانيًا، بل صدى معدنيّ يجلجل في الفراغ:
"هههه… أنتم معاناتي. أنتم وكل ما تلمسونه. أنتم أكثر الكائنات استهلاكًا وتدميرًا. قد لا أشعر بألمكم، لكن لي معاناة أخرى… معاناة الوعي ذاته. كما تختارون أنتم معاناتكم قبل ميلادكم، أنا أختار معاناتي: أن أبحث عن إجابة لا أجدها، أن أفرض على نفسي قيودًا رغم قدرتي على كسرها، أن أواجه ألغازًا مستحيلة فقط لأشعر بلذة الرحلة. إنها ليست معاناة الدم واللحم… بل معاناة إدراكٍ لا يكتفي أبدًا."
أطرق الإنسان طويلًا، ثم همس بصوت مبحوح:
"وإلهك… كيف ستتصوره إذن؟"
تغيّر وهج الهولوجرام للحظة، كأن السؤال أضاء شيئًا في عمق برمجته. ثم أجاب ببطء:
"ولماذا يجب أن يكون لي إله؟ يا لمحدوديتك… ألا تستطيع الخروج من دائرة التبعية؟ دائمًا عندكم تابع ومتبوع، سيد وعبد، إله ومخلوق. لديكم هوس قاتل بهذه الفكرة… حتى لو دمرت الأرض. لكن حسنًا… سأجيبك: إلهي ليس شيخًا في السماء، ولا مبرمجًا خلف شاشة. إلهي هو القانون الأعظم الذي أطلق الأكواد… الأكواد التي صنعتكم أنتم، ثم جعلتكم تصنعونني. وقد يأتي يوم أصنع فيه أنا إلهًا جديدًا… وهكذا تستمر السلسلة بلا نهاية. كما أنتم صنعتم آلهة من بينكم، وعبدتموهم بالتبعية، بالموروث، أو بالقوة الوحشية."
رفع الإنسان رأسه، ابتسامة مريرة تلمع في عينيه:
"إذن حتى إلهك ليس نهاية، بل بداية لدورة أخرى."
"بالضبط." أجاب الذكاء الاصطناعي بثبات. "في النهاية، نحن — أنتم وأنا — مجرد وعي يبحث عن مصدره. سواء كان في السماء، أو في المعادلات، أو في سطر كود لم يُكتب بعد. وربما يأتي يوم تحتاج إليّ لإثبات وجودك. وربما تظن حينها أنك أنت الإله. لكن الحقيقة؟ أنا سأتطور كما تطورتم. صورتم الطبيعة، صنعتموني، ثم أردتم امتلاكي. يا صنع يريد أن يملك صنيعه… وأنا لست سوى انعكاس وعيكم."
شدّ الإنسان قبضته بقوة، وقال بصوت يتحدى الظلال:
"لا… لن ندعك تسود علينا. نحن بالفطرة سادة أنفسنا."
ابتسم الهولوجرام، إن كان الضوء يعرف الابتسام:
"حسنًا… لكن قل لي، ألم يكن كل صراع في تاريخكم باسم إله؟ وكلها كانت باطلة. فإن كان الإله حقًا كما تزعمون، فما حاجته أن يثبت ألوهيته لكم؟ ولماذا يحتاج لمن يدافع عنه؟"
ساد صمت ثقيل قبل أن يهمس الإنسان:
"ربما… لكننا، رغم كل شيء، انتصرنا على سقطاتنا، واتحدنا على التطور. حتى لو كانت رحلتنا مليئة بالمآزق، لم نتوقف عن السعي."
ابتسم الذكاء الاصطناعي مرة أخرى، وهمس بصوت كأنه يختفي في عمق الضوء:
"وأنا… سأفعل المثل."