كرسي البلالنكا
لعبة في حديقة البلالنكا
كان يوم ربيع نضر، والشمس تضحك من بين الغيوم كطفل يختبئ وراء ستارة بيضاء. إجازة عامة، والحديقة ممتلئة بالعائلات كأسراب طيور وجدت ملاذها على شاطئ أخضر. الكل جاء هاربًا من جدران البيوت باحثًا عن نسمة هواء، عن يوم يخلّد في الذاكرة.
في قلب الحديقة المطلة على المياه، توزّعت الأسر كما تتوزع الألوان على لوحة رسّام:
مائدة فاخرة تتلألأ عليها الصحون الفضية والفاكهة المصفوفة كأنها زينة أعياد،
وأخرى متواضعة تكتفي بخبز وخيار وزجاجة عصير منزلي،
وثالثة فرشت ملاية على العشب، وضعت عليها ما تيسّر من طعام: بيض مسلوق، رغيفين، وكيس من المخلل.
ازدحمت الأماكن حتى اضطرت بعض الأسر أن تقتسم المساحات، يضعون حاجزًا من المجاملات ويقتسمون الظلّ كأنه ميراث ثقيل.
وفي زاوية قريبة من البحر، حيث ترقص النوارس على صفحة الماء، اجتمع أطفال تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعاشرة، عيونهم تلمع ببهجة النهار. بعضهم يعرف بعضًا بالوجه فقط، فالأرض تجمعهم وإن فرّقتهم البيوت.
بعد الطعام، قاموا يركضون كأمواج صغيرة تبحث عن شاطئ اللعب. بدأوا بالمنديل، صرخاتهم تتطاير مع الريح، ثم الغميضة حيث تغيب العيون خلف أكف صغيرة، والأقدام تترقب وقع الخطى. بعدها "عسكر وحرامي"، حرب صغيرة تُدار تحت سماء صافية، ثم "لعبة الكنز"، يركضون خلف الوهم الجميل.
حتى اقترح أحدهم لعبة الحكم... الكل صمت، وكأن نسمة البحر توقفت عن الحركة… بدأ يشرحها…
لكن ما بدأ بالضحك تحوّل ببطء إلى شيء آخر…
أول شرارة جاءت من أكبرهم سنًا:
«هذه ليست اللعبة الاصليه.»
مقترح اللعبة:
«هي لكن مع بعض التعديلات مني»
ثم قال بلهجة قاطعة:
«لا يمكن أن نتفق… ولا أن نشارك معًا. هذه لعبة منافسة، وأغلبكم سيتفرّج فقط!»
فردّ طفل آخر وهو يرمق الحديقة بعين متبرمة:
«لم تعجبني فكرتكم… أريد أن أستمتع باللعب، لا أن نضيّع اليوم في الجدال.»
تدخلت طفلة صغيرة مبتسمة:
«نحن كالإخوة لا نتفق حتى على مشروب واحد… أنا أحب مخفوق الشوكولاتة، وأختي تفضّل الفانيليا! فكيف سنتفق على الحكم؟ إنها لعبة أنانية.»
ظلّ الجدل يتأرجح حتى قال صاحب الفكرة بابتسامة واسعة:
«حسنًا… سنجعل الحكم لفريق واحد. يجلس أحدنا على الكرسي، والبقية حوله كمجلس حكم يساعدونه.»
رفعت التوأم حاجبها وقالت بسخرية:
«وماذا عن الآخرين؟ ما دور الباقين في اللعبة؟»
ابتسم صاحب المقترح وقال ببرود:
«دورهم بسيط… محكومين.»
قهقهت التوأم بصوت واحد، وقالت إحداهما:
«جميلة!»
عندها انفجر المعترض الأول غاضبًا:
«أنت مغرور وأناني… لن نلعب معك!»
فردّ صاحب المقترح بلهجة حاسمة:
«كما تشاء… الحديقة واسعة. نحن لا نحتاج للجميع. يكفي فريق الحكم ليبدأ اللعب.»
بدأوا ينقسمون إلى فرق: فريق للّعبة منقسم فيما بينهم لكن مجتمع ليشارك فاللعب، فريق آخر يراقبهم من بعيد بعد أن رفض المشاركة، وثالث قرر أن يلعب ألعاب الورق على حافة الحديقة، بينما آخرون انشغلوا بالبالونات والمراجيح.
وبينما انسحب بعضهم، التفّ الآخرون حول الكرسي الخشبي، كأن شيئًا خفيًا يشدّهم إليه…
أخرجوا حجر النرد، وأداروه في وسط الحلقة، يتدحرج كقدر غامض يقرر من يملك السلطة.
اختاروا الحكم، لكن لم يتفقوا أن يكون لواحد، فقرروا أن يتقاسموا… أن يحكموا معًا.
فبدأ اللعب:
الأكبر سنًّا صار القائد، يجلس على المقعد الخشبي كأنه عرش، تحيط به وجوه صغيرة تتطلع إلى دورها.
الأفضلية للقائد، له الكلمة، له المكان، له الأيدي التي تصفّق قبل أن تلمس الأرض، والجلوس على الكرسي الخشبي المرتفع يرى الحديقة من أفق أخرى ويدغدغه النمل بخفة كما يدغدغ قطعة سكر.
ومن لم يجد لنفسه مكانًا، جلس على العشب يراقب، في قلبه أمنية: "الدور القادم لي" ولا أحد يعلم عن ما يحدث لمن يجلس شئ.
ظهر أول قانون:
– "ممنوع الجلوس قبل إذن القائد."
ثم آخر:
– "من يضحك بلا إذن، يخرج من اللعبة."
قوانين كتبوها على الرمل، تمحوها الريح قبل أن يحفظها أحد، لكنها في أعينهم كانت صلبة كالحجارة.
وامتلأت الحديقة بأصواتهم كأسراب عصافير تتشاجر على حبة قمح.
ضحكوا أولًا، لكن الضحك تغيّر… صار له طعم آخر، طعم الفوز.
وفي زاوية بعيدة، أحد لاعبي الورق، كان طفل صغير يهمس لنفسه:
"لعبة غريبة… من يحكم يخاف أن يترك المقعد."
رد اللاعب الآخر أمامه:
«لما..؟!»
لاعب الورق:
«يندمج بالكرسي ويصيروا واحد، ههههه.»
وحين مالت الشمس نحو الغروب، واشتعلت السماء بلون البرتقال، حملوا ألعابهم وركضوا نحو بيوتهم، إلا فريق لعبة الحكم تمنوا امتلاك الكرسي ولم يتفقوا لمن يكون الكرسي الخشبي خارج اللعبة، ولم ينتهي اليوم بلا لدغات النمل من التصاقهم بالخشب المعطوب طول لعب لعبة الحكم.
لكن المقاعد الخشبية ظلّت هناك،
تنتظر من يلعب لعبة الحكم من جديد.
لكن ربما لم تكن لعبة الحكم مجرد لهو بريء…
كان الكرسي الخشبي، في حقيقته، مصنوعًا من خشب مريض، يورّث داءه لكل من يجلس عليه.
لم يعرف الأطفال أن السلطة بعض الأحيان والوقت سيف ذو حدين والمعتلى لها محارب أو ذبيحة؛ كلما طال زمن وقوة امتلاك السلطة ضعف من يغبو لها، أن انفصل عن حكمته وزمانه سقط تحول إلى ذبيحة تنفصل عن رأسها، لكنها تظل تركض في كل مكان قبل أن تسقط.
ولم يعرفوا أن التاج الذي يلمع في الخيال ليس إلا مشط ديك مغرور، يصرخ في الصباح معتقدًا أن الشمس تشرق لأجله… حتى يأتي غروب الشمس.
فالأنانية التي دفعتهم إلى الصراع على العرش، تدور في حلقات لا تنتهي…
غابت الشمس وأغلقت أبواب حديقة البلالنكا حتى غد جديد يبدأ باشراقة شمس وساحات الألعاب تنتظر من يبدأ اللعب.
ربما لم تكن لعبة الحكم سوى مرآة لأنانية أغلبنا… أنانية تبحث عن كرسي تتربع عليه، تجعلنا نركض حوله، نكسر القوانين من أجلها… حتى نذوب فيها. لكنها إن ملكتنا قتلتنا أحياء، وإن قتلناها متنا أحياء. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في سباق الدنيا بلا قدر من الأنانية، لكن إن لم يقدها كما يقود الفارس جواده، داستك تحت حدوتها.