رؤى قانونية | إكرامٌ لا إكراه
إكرام الوالدين: بين الواجب المطلق والامتياز الأخلاقي المستحق
في أروقة القانون المصري، وتحديداً المادة 3 من القانون رقم 1 لسنة 2000،وتنص على:
“تصدر الأحكام طبقاً لقوانين الأحوال الشخصية والوقف المعمول بها، ويُعمل فيما لم يرد بشأنه نص في تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة.”
(( يقر بأنه تجوز النفقات في حدود ثلث الدخل لكل أنواع النفقات باختلافها من دخل الرجل ))
هذا النص يمثل الوجه المادي لوصية "أكرم أباك وأمك"، لكنه يشترط الفقر للاستحقاق. ومع ذلك، يظل الواقع الإنساني أرحب من النصوص؛ فالإكرام الحقيقي يتجاوز المال ليشمل الرعاية الجسدية، المساندة النفسية، والصبر على ضعف المشيب. هو ردّ لجميل "القدر الكافي" من العناية الذي منح الطفل حق البقاء والاستمرارية.
كما فعلوا وبالاحرى كما تريد أن يفعل بك في المشيب فلا ينجو طفل إلا إذا حصل على القدر الكافي لا الافضل بل الأنسب للبقاء الاستمرارية التطوير.
لكن، هل هذا الإكرام واجب أعمى؟ أم أنه علاقة أخلاقية مشروطة بالإنسانية؟
1. وهم المعادلة البيولوجية
يُقدَّم مفهوم «إكرام الوالدين» في الوعي الجمعي بوصفه واجباً غير مشروط يستمد شرعيته من رابطة الدم وحدها. غير أن هذا الطرح، عند إخضاعه للفحص الفلسفي، يكشف عن خلل جوهري؛ فهو يقدس الدور الاجتماعي (الأبوة/الأمومة) ويُغفل الفعل الإنساني. إن اعتبار مجرد "الوجود البيولوجي" سبباً كافياً للاستحقاق الدائم هو خطأ أخلاقي يُسقط الإنسان ويُعلي من شأن الصفة، محولاً العلاقة إلى عقد ملكية صامت.
2. الفعل يُسقط الحق: حين يصبح الدور أداة إيذاء
إن الحق الأخلاقي لا يبقى ثابتاً بينما الفعل يهدمه. كل فعل إيذاء نفسي، عنف جسدي، قمع روحي، أو تدمير للثقة، ليس مجرد "نقص في الفضل"، بل هو نقض لأساس الاستحقاق.
من الناحية القانونية، يبرز هنا مبدأ "التعسف في استعمال الحق"؛ فالأبوة مركز قانوني وصلاحية، لكن استخدامها للسيطرة أو الابتزاز العاطفي هو انحراف بالحق عن غايته، مما يؤدي قانوناً وفلسفاً إلى سقوط الحق في المطالبة بآثاره (كالإكرام والطاعة).
3. النية والصدق.. لا مجرد الالتزام الشكلي
قد يُقال إن "الخير قد يُقابَل بالشر"، لكن القيمة الأخلاقية للفعل لا تُقاس برد فعل الآخر، بل بجوهره.
* الفرق الجوهري: هناك من قدّم رعاية حقيقية بدافع الحب ولم ينل إلا الجحود، وهناك من قدّم التزاماً شكلياً واستخدمه كوسيلة سلطوية لخلق "دين" يطوق به عنق الابن.
* إن التربية التي تهدف لإنتاج نساء خاضعات وذكور ساديين — كما نرى في حوادث العنف الأسري التي تُبرر أحياناً باسم "إكرام الوالدين" — هي جريمة مغلفة بلقب عائلي.
4. الكرامة الإنسانية: القيمة التي تسبق الرابطة
تؤكد مواثيق حقوق الإنسان ومبادئ القانون الدستوري أن "الكرامة الإنسانية قيمة عليا تسبق كل الروابط". فلا أبوة ولا أمومة تبرر انتهاك الكرامة. وعندما تتحول الوصايا الأخلاقية إلى "سلاح" لإسكات الاعتراض أو تبرير الأذى، تفقد معناها وتصبح أداة قمع.
5. الإكرام كاختيار واعٍ
الإكرام الحقيقي لا يُنتزع قسراً ولا يُستدعى بالخوف أو الشعور بالذنب. هو فعل حر يصدر عن تقدير حقيقي لمن:
* ربّى دون إذلال.
* وجّه دون كسر.
* احترم إنسانية الطفل قبل ممارسة سلطته عليه.
الآباء دورهم تأهيل أطفالهم ومساندتهم لعيش حياتهم الخاصة فالمستقبل لذلك النية الصادقة، الحماية لا الإيذاء، التربية التي توسّع الوعي ولا تكسره، منح الفرص لا تدميرها بناء للطفل ولجسر الاكرام انما كل فعل إيذاء نفسي، جسدي، أو روحي ليس «نقصًا في الفضل» فقط، بل نقضٌ لأساس الاستحقاق.
فالحق لا يبقى ثابتًا بينما الفعل يهدمه.
لذلك، فالإكرام هو امتياز أخلاقي يقع على عاتق الشخصية السوية للفرد، وليس ناتجاً آلياً عن مجرد "فعل الأهل". فالأهل الذين يقلصون حقوق أبنائهم ويدمرون فرصهم، يتحولون تدريجياً — بفعل أيديهم — إلى "لاشيء" في الوجدان الأخلاقي للأبناء.
خاتمة
إن وضع "إكرام الوالدين" في إطاره الصحيح لا يعني أبداً نقض الوصية أو المساس بقدسيتها، بل هو استعادة لجوهره الأصيل كعلاقة إنسانية تسمو فوق الإكراه. فالحدود الفاصلة بين الحقوق والواجبات لا وُجدت لتفصل بين القلوب، بل لتكون ضمانة تحمي حقوق الابن من التغول، وواجبات الأهل من الانحراف. فالإكرام الذي ننشده هو ذلك الذي يُبنى بالرحمة قبل السلطة، وبالسند قبل الفرض؛ ليكون برّاً نابعاً من الامتنان لا من الخوف. وبذلك، تظل الوصية قائمةً لا تُهدم، محميةً بوعي الأطراف بمسؤولياتهم، لتبقى الأسرة حصناً للكرامة الإنسانية، حيث يُؤدَى الواجب بحب كاستجابة طبيعية لفضلٍ سبق، ويُستحق الحق بعدلٍ رُوعي فيه أمانة التربية.
"الحدود" ليست عدواً للحب، بل هي الحارس الذي يمنع تحول العلاقات المقدسة إلى ساحات للتعسف. الأهل الذين يحترمون إنسانية أبنائهم اليوم، هم الذين يحجزون مقاعدهم في قلوبهم غداً، ليس بقوة القانون، بل بقوة الامتنان.