حكايات مع الجدة | التواجد
في يومٍ عاصفٍ حزين، مرّ سليم على الجدة مهزوماً من أمرٍ لا يدركه، فقد اختُزل منذ أعوام في طاحونة السير وفق خط سير المحيط من حوله. قرع الباب ودخل؛ كانت الجدة تجلس عند المدفأة، وإبريق الشاي فوق الحطب يطلق صفيره مُعلناً أنه قد تمّ.
نظرت إليه الجدة وسألته:
— "هل تناولت فطورك؟"
أجاب: "نعم".
فقالت: "إذن، فلنشرب الشاي معاً مع حبات بسكويت البرتقال الطازجة، ما رأيك؟"
بابتسامة خافتة قال: "يا جدة، لقد نسيتُ النكهات كافة، وكأن الكون والوجود بلا نكهة".
التفتت الجدة، وبكفيها الحانيتين سكبت الشاي وناولته إياه مع طبق صغير بحبات بسكويتها الشهير، الذي كانت رائحته النفاذة تجذب أطفال الجيران طالبين حبات منه. بدأ الطعم يزيل تدريجياً غشاوة الأحزان، وبدأ سمر جلسة الشاي.
قالت الجدة:
— "الوجود الظاهري لا يعني التواجد الحقيقي، وأن الحياة ليست مجرد عيش، كما أن العيش ليس بالضرورة حياة. عليك أن تميز بين أن تكون موجوداً جسدياً فقط، وبين أن تتواجد بروحك، بحضورك، وتفاعلك. أن تعيش بمعنى أنك تتنفس وتأكل وتتحرك، وبين أن تحيا بمعنى أن تعيش بوعي، بإحساس، وبقصد. أن تتعلم معلومات، وبين أن تعيش المعرفة وتحوّلها إلى تجربة وفهم".
واستطردت: "يا جِدّة، كلماتك تلمس الفرق بين القشرة والجوهر.. بين الظل والحقيقة".
تابعت الجدة: "عزيزي وفذة كبدي، هناك فرق بين أن (تمرّ) في الحياة وبين أن (تحياها). هذا يشبه من يقف أمام البحر ولا يراه، أو من يقرأ كتاباً ولا يفهمه، أو من يعيش بين الناس لكنه وحيد تماماً. قد تكون في مكان ما، لكنك غير حاضر. وقد تكون حياً، لكنك غير (حيّ)".
قال سليم: "فهمتك يا جدة.. بل شعرتُ بها أيضاً.. أن تكون موجوداً لا يعني أن تكون متواجداً. عليك أن تمنح نفسك انتصار تغليب ترجيح إقرار باستحقاق؛ للحياة على الموت، للسعادة على الحزن، للحرية على العبودية، للنجاح على الفشل، ولكل ما هو للنور والإيجابية على ما هو مائل للظلام والظلمة".
سألته الجدة: "ماذا تفعل يا بني في حياتك؟"
قال: "أنا موجود.. وأعيش. أليس هذا يكفي؟"
ابتسمت وقالت: "أعيد الكلام مثل زمان: الموجود لا يعني المتواجد.. والعيش لا يعني الحياة. أنت مثل كتاب مغلق، يمر الناس أمامه ولا يقرؤه أحد".
تأثر سليم بكلماتها، وعاد من عندها بقرارٍ واحد: أن يعيش الحياة رغم معطياتها، لا أن يتعايش فقط مع معطياته. فبدأ يخرج باحثاً عن معنى جديد. لأول مرة، جلس مع الأطفال وحكى لهم قصصاً. ساعد امرأة مسنة على حمل المياه. غنى مع شباب القرية عند الحصاد. تذوق الخبز الحار مع الجيران بدلاً من أن يأكله وحده في غرفته. ومع كل يوم، بدأ يشعر بشيء يتحرك داخله.
نظر لنفسه في المرآة وابتسم، وقال لنفسه:
— "الآن.. أنت لا تعيش فقط، أنت تحيا. لم تعد مجرد جسد يسير.. أنت روح تتواجد".
نظر سليم حوله، ابتسم وقال:
— "أخيراً فهمت.. الحياة ليست أن أتنفس، بل أن أتفاعل. الوجود ليس جسداً، بل حضور".
فتذكر كلام الجدة وهي تقول:
— "فلا تكونوا مثل ظل بلا جسد يمشي دون أثر.. عيشوا، لا تنحصروا في التعايش. أن تكونوا موجودين شيء.. وأن تكونوا متواجدين شيء آخر".