دفء بعيد عن الوطن
في إحدى المدن الأوروبية الباردة، حيث كانت الأرصفة مبتلة دومًا بالمطر، عاش كريم وليلى كغريبين في أرض غريبة. جاءا من بلاد مختلفة، لكنه جمعتهما الغربة بلونها الرمادي القاسي. في هذا المكان، كانت الحياة تسير بانتظام دقيق، كل شيء محسوب، حتى المسافات بين الناس. لا أحد يقترب أكثر مما يجب، ولا أحد يلمس الآخر دون إذن.
كريم، الذي نشأ في مجتمع حيث التلامس الجسدي نادر بين العائلة لكنه مُفرط بين الغرباء بطرق غير مريحة، لم يكن يعير الأمر اهتمامًا. أما ليلى، فقد كانت مختلفة. كانت تعتقد أن الحضن حاجة إنسانية أساسية، مثل الطعام والماء. في بلدها، كان العناق أمرًا معقدًا، ممنوعًا في العلن، لكنه يُمارس في الخفاء بشكل مشوه. لهذا، عندما جاءت إلى أوروبا، شعرت بأن هناك مساحة للتواصل النقي، حيث لا يُنظر إلى التلامس على أنه دعوة لممارسة شيء آخر، بل كجزء طبيعي من التعبير الإنساني.
كان لقاء كريم بليلى في الجامعة بمحض الصدفة، لكن صداقتهما نمت بسرعة. كانا يتشاركان الشعور بالغربة، لكنهما كانا مختلفين في طريقة تعاملهما معها. كريم كان معتادًا على بناء جدار بينه وبين الآخرين، حتى في لحظات ضعفه. ليلى، على العكس، لم تكن تخشى التعبير عن مشاعرها. في أحد الأيام، بعد محاضرة طويلة، رأت عليه الإرهاق، فتقدمت نحوه وعانقته. لم يكن عناقًا رومانسيًا، بل شيء يشبه العودة إلى المنزل.
في البداية، ارتبك كريم. لم يكن معتادًا على فكرة أن العناق يمكن أن يكون مجرد عناق، دون نوايا خفية، دون تلميحات غير مريحة. لكن مع الوقت، بدأ يفهم. الحضن ليس دائمًا مقدمة لشيء آخر، وليس دائمًا رغبة، بل هو أحيانًا مجرد طمأنينة يحتاجها الإنسان.
لكن في الغربة، لم يكن كل شيء مثاليًا. ذات يوم، كانت ليلى تسير في الشارع عندما اقترب منها رجل بشكل مفاجئ، مدّ يده ولمس كتفها بطريقة جعلتها ترتجف. لم يكن هناك عناق، ولا دفء، فقط يد ثقيلة امتصت منها الشعور بالأمان.
كانت تعلم أن في بعض الثقافات، التلامس الجسدي لا يُنظر إليه كوسيلة تواصل، بل كشيء آخر تمامًا. تذكرت حينها كيف كانت تُحذر دائمًا في بلدها من الغرباء، ليس لأنهم خطرون فقط، بل لأن فكرة المساحة الشخصية لم تكن موجودة أصلًا، فالحدود تُنتهك يوميًا، حتى ضد الأطفال.
عادت ليلى إلى منزلها ذلك اليوم وهي ترتجف. لم تكن الحادثة كبيرة، لكنها كانت كافية لتعيد لها ذكريات قديمة عن أماكن لم تكن فيها اللمسة تعني الأمان، بل كانت تعني شيئًا آخر، شيئًا أقرب إلى الخوف.
عندما أخبرت كريم بما حدث، شعر بالغضب. ليس فقط بسبب الحادثة نفسها، بل لأنه يعرف أن هناك أماكن في العالم لا يوجد فيها خط واضح بين الحنان والتعدي. أماكن يُعتبر فيها الأطفال فريسة سهلة، وأي تلامس جسدي يُفسر بطريقة غير بريئة.
قال لها بغضب:
"هذا هو السبب الذي يجعلنا نبدو وكأننا مرضى نفسيًا في أعين العالم. لأننا لم نفهم الفرق بين الحاجة الفطرية للتواصل الجسدي، وبين الاعتداء."
نظرت إليه ليلى وقالت:
"لكن هنا، لدينا فرصة لنتعلم. لدينا فرصة لنفهم أن الحضن ليس دعوة، وأن اللمسة ليست ملكًا لأحد سوى صاحبها."
فهمٌ متأخر، لكن ليس مستحيلًا
في اليوم التالي، عندما التقى بليلى، هو من مدّ ذراعيه أولًا. كان عناقًا صامتًا، لكنه حمل داخله كل ما لم يقله من قبل:
"أنا أفهم الآن. وأعدك أنني لن أكون من أولئك الذين يخلطون بين الدفء والانتهاك."
—
رسالة القصة:
التلامس الجسدي يمكن أن يكون لغة حب، أو أداة تدمير. في مجتمعات لا تفهم حدوده، يصبح حضن الطفل خطرًا، ولمسة الصديق تلميحًا، ويضيع المعنى الحقيقي خلف الفوضى. لكن في مكان يفهم الإنسان فيه الفرق، يمكن أن يعود التلامس إلى طبيعته: لغة للراحة، وليس للانتهاك.