ليلى بين الشعور والطبع
في النصف الثاني من شهر مارس، حين بدأ نسيم الربيع ينساب في الأجواء، ذهبت ليلى إلى الجامعة مبكرًا لحضور محاضرتها؛ فقد كانت تنتظر هذا اللقاء بشغف منذ أيام.
🧭 رحلة ليلى: من وعي المشاعر إلى حماية الذات
في زاوية هادئة بمدرج قسم علم الاجتماع، جلست ليلى تفتح دفترها بتركيز. لم تكن هذه المحاضرة مجرد مادة دراسية بالنسبة لها، بل كانت تبحث عن إجابات لأسئلة سكنتها طويلاً: لماذا يتصرف الناس كما يفعلون؟ وكيف نحمي أنفسنا من أذى الطباع دون أن نتحول لنسخة منها؟ هل غضبها من اهتمام الأهل المفرط طبعٌ متأصل فيها أم مجرد شعور عابر؟ وهل اهتمامهم محبة خالصة أم تسلّط يتخفّى في ثوب الرعاية؟
بدأ البروفيسور بتدوين العنوان على السبورة: "وعي المشاعر، فهم الطبع، حماية الذات".
• إدراك المشاعر، وفهم الطبع، وحماية الذات ليست مجرد وعي، بل هي مفتاح الحرية الداخلية والوعي بالمجتمع الذي نعيشه.
🌱 بذور المشاعر وأغصانها
كتبت ليلى خلفه: كل مشاعرنا تنبع من جوهر أساسي؛ ليست لحظات عابرة، بل بذور تنمو داخلنا، تتفرع منها مشاعر أدقّ، تلوّن سلوكياتنا وتحدد كيف نتفاعل مع الآخرين. وتأملت في فكرة "الأغصان":
* من الخوف ينمو القلق والرهبة.
* من الغضب ينشأ الكره والحسد.
* من المحبة تنبت الغيرة الصحية والتعاطف.
أدركت ليلى حينها أن ما نراه من سلوكيات معقدة في المجتمع ليس إلا "تلوّناً" لهذه المشاعر الأساسية.
💡 المرآة: الفرق بين الشعور والطبع
توقف البروفيسور ليسأل: "لماذا يكرر البعض أخطاءهم؟". ثم أجاب موضحاً الفرق الجوهري:
* الشعور: لحظة عاطفية عابرة مرتبطة بموقف محدد (كالحزن بعد كلمة جارحة).
* الطبع: ميل ثابت يظهر في أنماط متكررة؛ فالطبع يعيد إنتاج نفسه باستمرار.
دوّنت ليلى بمداد أحمر: "التمييز هو المرآة". فبدونه تضيع الحدود بين ما هو لحظي يمكن تجاوزه، وبين ما هو ثابت يجب الحماية منه.
🔍 فك الشفرة: الغيرة، الحسد، والكيد
استرجعت ليلى أمثلة من التاريخ والواقع، وفكرت في "قصة يوسف" وكيف تشابكت فيها المشاعر:
* الغيرة: رغبة في المساواة.
* الحسد: رغبة في إضعاف الآخر وزوال نعمته.
* الخبث والكيد: أفعال ومخططات تتغذى على الحسد، لكنها "سلوكيات" وليست مجرد مشاعر.
* التسلط: نمط يحول الآخرين إلى أدوات خاضعة.
🌀 الدائرة الكبرى: عندما تصبح المنظومة "طبعاً"
هنا وصلت ليلى للجزء الأعمق في دراستها؛ كيف يصنع المجتمع أفراده؟ رسمت في دفترها دائرة مغلقة:
* المنظومة: (ثقافة تسلطية نرجسية) تضع قواعد اللعبة وتكافئ التسلط.
* الفرد: يتشرب هذه القواعد حتى تصبح "طبعاً" فيه (خبث، كيد، إيذاء).
* الأسرة: يعيد الفرد إنتاج الأدوار داخل أسرته، فيكافئ الخضوع ويعاقب الاستقلال.
* المجتمع: يتشكل من هذه الأسر لخدمة المنظومة الأصلية.
أدركت ليلى أن المنظومة تصنع الفرص، لكن الفرد هو من يصنع القرارات.
🛡️ الحماية أولاً.. والوعي هو المخرج
في نهاية المحاضرة، شعرت ليلى بالراحة. الفهم الواعي لا يبرر الضرر، لكنه يمنح "المسافة الآمنة". فكتبت ليلى لنفسها ❓ثلاثة أسئلة للتمييز:
* هل هذا السلوك موجود عند معظم الأفراد في هذا السياق؟ (نعم → ثقافة)
* هل يظهر الفرد نفس السلوك خارج هذا السياق؟ (نعم → طبع)
* هل هناك عقاب أو مكافأة اجتماعية مرتبطة بهذا السلوك؟ (نعم → ثقافة)
🌟 قاعدة ذهبية:
• المنظومة تصنع الفرص، الفرد يصنع القرارات. ثقافة المجتمع تملي التوقعات، أما الطباع فتكشف عن الجوهر.
خرجت ليلى من القاعة وهي تؤمن بأن التمييز هو الخطوة الأولى للعلاج والحماية. لم تعد تنظر للخبث أو التسلط كقدر محتوم، بل كأنماط يمكن فهمها ووضع حدود حازمة معها. أدركت أن اهتمام الأهل المفرط قد يكون مزيجًا من ثقافة وطبع ومشاعر تحتاج إلى التفهّم لا إلى الغضب، وأن الحرية لا تبدأ بالتمرد، بل بالتمييز؛ فليس الوعي مجرد معرفة، بل هو مفتاح الحرية ووضوح الحدود.