سلسلة حقوق المرأة | الصون فعل لا وعد
(الحق في الصحة والكرامة)
كانت يداها تغوصان في العجين، تفركه برفق بتلك المهارة التي ورثتها عن جدتها. رائحة السمن واليانسون الدافئة تملأ الأرجاء، وأقراص "الكحك" تنتظم فوق الصينية النحاسية كجنودٍ صغار. لكن نقش الحناء الداكن على أصابعها كان يلمع تحت ضوء المطبخ، وكأنه شاهدٌ صامت يذكّرها بتفاصيل ليلة أمس.
رفعت الجدة عينيها المثقلتين بالخبرة، وقالت بهدوء رخيم:
— "حناء عرس جارتكم لا تزال نضرة.. يبدو أن جفونك لم تعرف النوم جيداً."
ابتسمت الفتاة نصف ابتسامة، ثم جلست قبالتها قائلة:
— "كنت أفكر يا جدتي.. الفتيات يقلن إن العروس قبلت بهذا العريس الغريب لأنه 'سيصونها'؛ فهو مقتدر، وغني، وله شأن كبير في مدينتهم."
سكتت الجدة، وتابعت تشكيل العجين وكأنها تمنح الصمت ثقلاً ومعنى، ثم سألت بكلمة واحدة:
— "وبعد؟"
تنهدت الفتاة بعمق:
— "لكني رأيته.. حين دخل عليها، رمقها بنظرة غارقة في الازدراء، تشبه تماماً تلك النظرة التي كان ابن العمدة يرمي بها بائعة الخضار."
توقفت يد الجدة عن الحركة، فسألت الفتاة:
— "فاكرة الحكاية؟"
الفتاة (بمرارة، وكأنها تتكلم عن حلم مزعج):
— "ومن ينساها؟ تزوجها على زوجته الأولى طمعاً في الولد، وعندما نال مراده اتهمها بالسرقة ليطردها. ضربها، وسحلها، وحلق شعرها لأنها لم تغطّه جيداً وهي تنشر الغسيل في أول زواجهما، ولم يجرؤ أحد على التدخل! عاشت معه كبهيمة تُساق، أنجبت ست بنات، وعندما جاء الولد وكانت صحتها قد انهارت تماماً، رماها بالبنات وادعى أنها سرقته."
ثم أضافت بصوت أخفض، كأنها تكشف سراً موجعاً:
— "يا جدتي، كنت أفكر فيها. الناس قالوا 'الصلح خير' و'التنازل ستر'، بس أنا شفت القهر. المحامي قال الصلح حالة استثنائية والزوج له شروط ليقبل الصلح، بس هي اتكسرت لما اتحرمت من أبسط حقوقها في العلاج والرعاية. بناتها اتحرموا من التعليم، ومن كتر الفقر، أرسلت له بنتها الكبيرة لترجع بعد أسبوع بين الحياة والموت من تعذيب زوجة أبيها.. وهي لم تتجاوز السادسة! ده مش صون يا جدتي، ده ظلم بين. كيف يمكن للمال أو الجاه أن يصون إنسانًا إذا لم يصون كرامته وصحته؟"
رفعت الجدة رأسها ببطء، وعينيها تتأملان الفتاة بعمق:
— "أيوه… ومحدش عارف الحقيقة فين."
سألتها الفتاة:
— "هو الصون ده إيه يا جدّتي؟ الناس بتتكلم عنه كأنه حاجة بيد الرجل بس."
ابتسمت الجدة ابتسامة حزينة.
— "اسمعي حكاية."
قالت الجدة:
— "كان فيه زمان قريتين، بينهم وادٍ واسع. كل قرية كانت بتسمع صوت الثانية، لكن ما تشوفهاش. كل واحدة فاكرة إن التانية لازم ترفع صوتها أكتر. يوم، واحد من الحكماء قال لهم: الصوت مش ملك حد. الصوت فعل متبادل. لو واحدة سكتت، التانية هتصرخ. ولو واحدة أهانت، التانية هتختنق. لكن لو الاتنين سمعوا بعض، الصوت يتحول لسلام."
سكتت لحظة ثم تابعت:
— "الصون زي الصوت. مش كلمة. مش وعد. فعل متبادل في كل لحظة."
أطرقت الفتاة رأسها.
— "إزاي رجل يتوقع إن امرأة تصونه وهو ما بيصونهاش؟"
قالتها الجدة بنبرة ثابتة.
— "الصون في كل شيء. في الكلام، في النظرة، في الغياب، في الحضور. ممكن تحصل غلطة أو ذلة… إحنا بشر. وأول الزواج، الناس أغراب. بيندمجوا تدريجياً. لكن لو كسرها، أهانها، تسلّط عليها، أنكرها، قلّل منها… أي فعل عكس الصون، كسر للعلاقة. رفض صريح. خسارة للطرف الآخر."
رفعت الفتاة عينيها:
— "حتى لو البيت اتدمر؟"
— "البيت بيتدمر من اللحظة دي أصلاً. الصون هو اللي بيبنيه."
ثم أضافت:
— "وفي المرض، الصون واجب. مش مصلحة. رابطة. اللي يسيب شريكه في ضعفه، عمره ما كان يصونه."
ترددت الفتاة قبل أن تسأل:
— "طب واللي بيقول إنه هيصونها لأنه غني؟"
ضحكت الجدة بخفة.
— "المال يحمي أحياناً، لكنه ما يحميش الكرامة. والكرامة أصل الصحة. ومش كل صاحب مال كريم."
اقتربت الفتاة منها:
— "الصحة؟"
— "أيوه. المرأة ليها حق في الرعاية، في الوصول للدواء، في القرار في جسدها، في الحمل والولادة بكرامة. ده مش فضل من حد. ده حق."
ثم تابعت:
— "اللي يمنعها من العلاج أو يفرض عليها قرارات جسدية أو يهملها وقت الضعف… ده كسر للصون."
صمتت الفتاة طويلاً.
— "يمكن العروس فاكرة إنه هيصونها لأنه قوي، ما المال والجاه قوة، واللي معاه مال احسن من اللي معه عيال بيقولوا."
قالت الجدة:
— "القوة الحقيقية إنه يساويها بنفسه. يحمي حقها زي ما يحمي حقه. يسمع صوتها، وهي تسمع صوته، يحميها حتى من نفسه، يقود مش يستعبد، يكرم مش يذل ويهين، يبني مش يهد. من صان اتصان. والصون لا بالمال ولا بالعيال."
نظرت الفتاة إلى الحنّة في يدها، وبصوت ناضج يختلف عن بداية حديثها:
— "يعني الصون مش مال وجاه، مش لقمة وهدمة.. عشان كده الست المسكينة خلفت منه زي ما قالوا لها 'اربطيه بالعيال عيل ورا التاني'، وهي اللي بتتربط أكتر. وفي الآخر لا ماله صانها وقت مرض، ولا خلفت العيال شفعت لها وقت خلاف."
— "الصون وعي. ومحدش بيصون حد الا إذا حبه والحب انواع، إنما الزواج المبني على معيار المال والجاه والسن والحاجة صفقة مش زواج والصفقات مصالح والمصالح لها صلاحية والإنسانية فيها زائر."
عادتا إلى الكحك. الدقيق يطير في الضوء، والوقت يتحرك ببطء.
قالت الفتاة أخيراً:
— "أنا كنت بفكر إن الصون وعد."
ابتسمت الجدة:
— "الصون فعل ممارسة. كل يوم. كل لحظة."
ثم همست:
— "واللي يفهم ده، ما يخافش… لأنه لن يقبل أن يكون مكسوراً أو كاسراً."
خارج البيت، كانت أصوات الزغاريد تتلاشى، كأنها صدى بعيد. أما داخل المطبخ، فكان الصوت هادئاً… متبادلاً.
ــــــ
إضاءة قانونية (الحق في الصحة)
تجسد هذه القصة المبادئ الواردة في المادة 12 من الاتفاقيات الدولية لحقوق المرأة، والتي تنص على:
"1. تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية من أجل ضمان الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك تلك المتعلقة بتنظيم الأسرة، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة.
2. ... تكفل الدول الأطراف للمرأة الرعاية الطبية المناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة…"
أي القضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية لضمان وصولها للخدمات، على أساس المساواة.