حكايات مع الجدة | دار أم غبار
الدار اللي اتخلى عنها الدفا
كان فيه بيت في طرف القرية، دايمًا منور حتى في عزّ الليل. مش بنور لمبة، لكن بنور قلب ستّ اسمها "خضرا"، ستّ وشها زي الورد، وصبرها جبل.
جوزها كان قاسي، كلامه سُم وإيده حجر، لكن خضرا كانت تسقي الوجع بحب وتصبر، تحوّل العدم لدفا، والبرد لحنان. البيت كان شايل معاها، الحيطان كانت تدّفي، والمطبخ كانت ريحته أمان. لكن لما قلب خضرا اتكسر، ونزلت دمعتها من غير صوت، خرجت من الدار وسابت وراها الحيطان تصرخ صمت.
الدار بقت زي مقبرة، حتى العصافير بطلت تقف على عتبتها. الزرع دبل، والجدران تشققت، والدنيا بقت برد... برد يوصل للعظم. والناس تقول: "البيت ده مات يوم ما خضرا خرجت منه".
دار أُم غبار
دخلت الحفيدة على جدتها خضرا، خطواتها تقيلة وقلبها مليان وجع... عينيها كانت تلمع بتعب البنات اللي اتحاصروا بين جدران مش جدرانهم، تايهة بين البيوت اللي ما حستهاش بيت.
الجدة خضرا، قاعدة جنب الشباك، ضهرها متهدّي لكنه لسه شايل حكمة السنين، بتبص للسما كأنها بتفتش عن إجابة من اللي فوق. من أول نظرة للحفيدة، حست بيها... قرت الوجع قبل ما يتقال.
الحفيدة قربت، وقعدت على الأرض جنبها، سكتت... بس العيون قالت كل اللي مكتوم. والجدة، بابتسامة حزينة، حركت كفها على شعرها كأنها بتطبطب بحنان على قلبها قبل راسها.
الجدة: – "يا ضنايا، الدار مش طوب، الدار قلب. لو قلبك مات، بيتك يموت. اللي يخدم بيته من حب غير اللي يخدم من ذل... اللي يداري وجعه عشان يبني، غير اللي يُدفن فيه حيّ... اللي تخدم بيتها تعطيه من طاقتها ترتبط بيه ويرتبط بيها... عماره من عمارها".
الحفيدة شهقت من الوجع: – "طب وأنا؟ أهرب فين؟!"
الجدة نظرت لها بعيون شايفة اللي ورا الزمن: – "تهربي؟ لا يا بنتي... تصوني نفسك، تصوني روحك، وتختاري دارك اللي تعرف قيمتك قبل ما تعمّريها. مهما طال الطريق، لو مشيتي برجلك وعلى نورك، تلاقي بيتك، وتبني دار قلبها دافي ليكي".
الحفيدة رفعت راسها، نظرتها كانت غير اللي دخلت بيها. في عينها كان فيه أول شعاع... مش شعاع دار، لكن شعاع قرار.
وبين جدران البيت اللي بتحكي القصة، كانت الحيطان بتحس... بتقول من غير صوت: "اللي ما تلاقيش اللي يصونها... تمشي، وتمشي معاها روح الدار."
في ليلتها، الحفيدة نامت جنب الجدة، بس النوم كان هارب منها... في عتمة الحجرة، بكت بصوت مكتوم، كانت بتحس إنها ضايعة بين حيطان مش بيتها، كل دار دخلتها كان فيها نفس القهر... نفس النظرات اللي تقول: "إنتِ ملكنا... من غير تمن".
وفي عقلها كان فيه صوتين بيحاربوا بعض... واحد بيقول: "ارضخي عشان ترتاحي... اتجوزي وخلاص".
والتاني، صوت أضعف لكنه أصدق: "بس ليه؟ ليه كل باب أدخله يبقى سجن؟ ليه مش بيتي أنا، بإيديا؟"
واشتد الحوار بينها وبين نفسها: "... مين قال إن الجواز راحة؟ هو فيه راحة في المسؤولية؟ ده الراحة في المسؤولية إنك توفيها وتفي بيها... بيت الأهل فيه منه مخرج، لكن بيت الزوج لا... وكرامة البنت في بيت زوجها من كرامتها في بيت أهلها، إن كان الحال في بيت الأهل كده، أعمل إيه في بيت الزوج؟ دانا ضهري مكسور وسندي مهزوم".
عينيها غفت قبل الفجر من التعب، وصحيت على صوت الفجر تدعي.
وبعد الفطار الدافي حكت لجدتها، الجدة زفرت وقالت: "العمر والبيوت بيتبنوا على صبر الستّ، بس كفاية إنها تعيا أو تنهار، تقوم الدنيا تقع فوق دماغها ودماغ اللي حواليها... اللي يرضى بالذل، غبار الذل يردم عليه، واللي يشقى ويبني داره بنفسه، داره تدفيه وتصونه... دار أم غبار... يا دار تصونك وتصونيها، يا غبار يداريكِ ويطفيكِ... الاختيار لكِ... البيوت مش بس طوب وأبواب. البيوت بتتلبس، زي الروح، زي الضلّ. لمعة الدبلة من دفء العِشرة، البيت يا جنة، يا مقبرة... الراجل اللي ما يصونكيش، بيته عمره ما يحتويكي، لأن البيت من غير حُب وصون، يبقى جدران باردة ومطرح للوجع... الرجل اللي أرضه صخر وشوك وحسك أو مالحة... أرض ما تنبت فيها زرعة حب وتعلى... الرجل نفسه هو أرض الدار وجدرانها... وتعمل إيه الروح في جسد معطوب؟ اصوني نفسك باختيارك الصح من البداية، صوني كرامتك قبل أي حاجة، لأن الست لو حافظت على نفسها، بتحافظ على بيتها، وبتحافظ على عيالها، وبيضحك لها الزمن حتى لو ضاق. البيت مش بس حيطان وسقف، البيت قلب دافي، ولو قلب الست دبل، البيت كله يدبل معاه. ما ترضيش تبقي في دار قلبها قاسي عليكي، خليكي دايمًا في دار تصونك وتصونيها".
وفي نهاية الكلام، بصّت الجدة لحفيدتها وقالت: "يا بنتي، افتكري دايمًا... فيه رجالة تهدّ البيت بألف كلمة وقسوة، وفيه ستات تعمّره بعشرات السنين من الصبر، لكن يوم ما قلبها يتكسر، الدار كلها تقع... اللي بتخدم دار تبقى فوق كل راس في الدار... واللي ما يقدر الخدمة ما يتخدمش. الدنيا مليانة وجع، مش من قلة الفلوس، لكن من قلة الصون، من قلب ست مات وروح انكسرت وسابت الدار بردانة".
قامت من مجلس جدتها مرتاحة، وشعرت لأول مرة من سنين إن صدرها قادر يشهق نفس حر. قامت، مسحت دموعها، ونظرت في مراية صغيرة مكسورة: "أنا مش عبدة في سوق الجواري... مش خدامة... مش بلا كرامة... ولا ظل حد... أنا هبني داري، بطريقي، حتى لو الطريق مليان شوك".
ومن يومها، خدت خطوة، وإن كانت صغيرة، لكنها أول طريقها الطويل، طريق إنها ما تفضلش جدران باردة في بيوت غيرها... لكن تبقى نار دافية في دار من اختيارها.