عرش الذات


عرش الذات

في قلب مملكة قديمة، حيث تتشابك خيوط التاريخ مع أساطير غابرة، وُلدت تحمل فوق عاتقها إرثاً ناءت تحت ثقله الأجيال، لتجد نفسها حبيسة بناءٍ عتيق عُزلت فيه الروح عن منطق العدالة. وبينما كانت الجدران الصامتة تشهد صراعاتٍ مكتومة، وقفت وحيدة في مواجهة قوى تسعى لتهميش كينونتها ومحو أثرها. وتحت وطأة يدٍ أحكمت قبضتها على المدى دون حاجةٍ لإشهار سيف، بدأت رحلتها نحو الانعتاق؛ حيث كانت كل زاوية تنبض بصرخات الماضي، وكل شق في الجدران المتآكلة يحمل ندبة من قصص الألم. في أعمق نقطة من روحها، ولدت جذور الإرادة التي جعلتها تتساءل: هل تستطيع القفز فوق القيود التي وُضعت في طريقها؟ وهل ستنجح في إضاءة الدرب لنفسها وسط هذا الظلام الدامس؟
لقد وُلدت في زمنٍ تُبنى فيه الممالك على تحالفات الدم، وتُحكم بأسماءٍ نقشتها الحروب بحد النصال؛ فهي حفيدة لأسلافٍ حملوا التيجان، غير أن إرث الدم قد يتحول إلى لعنة تلاحق صاحبها كظله. كانت تعيش في ذلك البناء الذي شيدته امرأة تحدت العواصف وقاومت الإقصاء، ليظل شاهداً على حربٍ صامتة بين أجيالٍ متصارعة. لكن السيادة داخل تلك الحجارة لم تكن بيدها، بل في يد من لم يحكم بالعدل بل بالإنكار والاحتقار، مديراً المكان بمعول التدمير التدريجي. وبينما كانت المياه تتسرب من الجدران والأسقف تئن تحت وطأة الإهمال، كان يرى الخراب أمراً طبيعياً، مؤمناً بأن إنكار المشكلة هو حلها السريع. كانت حرب استنزافٍ خفية، تُهمّش فيها الحقوق ويُقرر فيها ما ليس له به حق، بينما اختار الآخرون إغلاق أعينهم تجاه الحقيقة، راضين بحياةٍ رسمها سلطان المال.
وقبل أن تبلغ التشققات مداها ويهطل المطر ليغسل الخطايا، كانت تحاول المقاومة بكل ما أوتيت من قوة؛ وقفت في قاعة العرش المهجورة، تقبض على بردية قديمة تحوي خارطة المكان في أوج مجده، قبل أن يطمسه غبار الزمن والصراعات التي أضعفت البنيان. وبينما كانت تبحث عن مخرج سري، دلف إليها ببروده المعتاد، زاعماً أن المكان قد انتهى، فصرخت في وجهه: **"بل الصراعات هي من مزقت سلامه ببرود الثلج!"**. اقترب منها ببطء، متمتماً بأن المشكلة لم تكن يوماً في البناء، بل في "الدم" ذاته. وفجأة، اهتزت الجدران وكأن البناء يلفظ أنفاسه الأخيرة، وعندها ظهرت القطة السوداء ذات العينين الذهبيتين، تراقبها بصمت كأنها تنتظر قراراً لم يُتخذ بعد.
في الليلة التي سبقت الانهيار، تجلت القطة في بركة ماء، وتوهج جسدها بنورٍ أسود عكس صورة كيان مهيب يحمل تاجاً مكسوراً، وتردد صوته في ذهنها: **"يا ابنة العرش الضائع، البيت وطن.. وهذا الوطن صار غربة يستهلك أكثر مما يعطي، وأرض الغربة لا تليق إلا بالنزلاء"**. ومع اشتداد الاهتزازات، عبرت بوابة حجرية كشفت عنها القطة، شعرت عند لمسها بحرارة تتدفق في عروقها، لتعبر نحو المجهول بينما يتحول البناء خلفها إلى رياح باردة.
في نُزلٍ منسي، حيث يجتمع الغرباء الذين لا ينتمون لهذا العالم بالكامل، ظهرت مجدداً مع رفيقٍ غامض. كانت الشمعة تراقب بقاءهم، وعندما انطفأت، انفتح الباب عن ظلامٍ كثيف، ليعترف العجوز هناك بأن الأسطورة حقيقة. وبينما كان الغموض يزداد، واجهها الرجل ذو القبعة السوداء بحقيقة مريرة: **"أنتِ لم تهربي، بل جلبتِ البناء معكِ، فاللعنة تسكن فيكِ أنتِ"**. وفجأة، برز "صدى" لها، نسخة بملامح ذهبية ويدين ملطختين بالظلال، همست لها: **"عليكِ إنهاء ما بدأ"**. 
هنا أدركت أن اللعنة لم تكن تطاردها، بل كانت نداءً للعودة إلى الأصل، وحانت اللحظة لتختار بين التلاشي أو المواجهة.
انغمست في تيارات الضوء والظل، لتجد نفسها في قاعة عرشٍ أسطورية أمام امرأة تشبهها حد الذهول، تفيض بهيبة باردة وتاج من فضة. قالت لها الملكة: **"أنا أنتِ.. في الصورة التي كان يجب أن تكوني عليها حتى تتوجي بالذهب لا بالفضة؛ فالنفس التي تملك زمام أمرها تستحق الذهب، أما ضعف الإرادة فينتقص من قدر التيجان"**.
وأردفت كخنجر من نور: **"لقد جلبتِ اللعنة كلما خذلتِ نفسكِ، وكلما كان الاستسلام خنجر غدرٍ يُغرس في روحكِ، لتتجرعي يأس البنائين الذين تناقلوا الإحباط حتى مِتِّ حيةً به"**.
تراجعت أمام العرش الحي الذي يراقب بعيون بشرية، لتجد نفسها في فراغٍ من المرايا اللانهائية؛ رأت فيها المحاربة، والمنكسرة، والطفلة الباكية، والبحار الذي أتقن الغوص في المحن. وبلمس زجاج الحقيقة، انقشع الضوء لتجد نفسها أمام بوابة العظام العظيمة، حيث ملكة الظلال تخاطبها: **"أنا أنتِ بعد أن قبلتِ الحقيقة التي تمنحكِ القوة لاستعادة ما سُلب منكِ"**.
أدركت حينها أن الطريق للوراء قد سُدّ، وأنه لا يوجد وقت خارج الإدراك؛ فلكلٍّ وقته ليزدهر ما دام يسير بصدقٍ نحو النور السحيق.
وقفت وجهاً لوجه مع نسختها التي لم تعد تعرف الفرار، ونادت بالاسم، فاهتزت الجدران استجابةً. ابتسمت الملكة: **"المملكة لم تسقط، بل نُسيت في غيابات الظل، والمجد لا يُمحى بل ينتظر من يعيد بناء نفسه أقوى"**. 
مدت اليد، وفي تلك اللحظة، انطلقت صرخة عارمة من سحيق الأزل تناديها لتعتلي العرش المقدر؛ **فنفس الإنسان هي عرشه المستحق.. حين يستحقها.**

Popular posts from this blog

نبذة عن شروط الادعاء بالحق المدني وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية.