حين يصبح العقل ساحة المعركة
احتلال الفكر… الحرب الأشد فتكًا
احتلال الفكر أشدُّ وأشرس من احتلال الأرض.
في العهود السابقة، صوّرت حركات التحرر الاحتلال العسكري على أنه لعنة مطلقة، نهبٌ للثروات، كسرٌ للكرامة، وتشويهٌ للهوية. ورغم أن ذلك كله حقيقي في جانبٍ كبير منه، إلا أن الصورة لم تُعرض كاملة.
ففي بعض الحالات، حمل الاحتلال معه أدوات التغيير — تعليم، طب، نظم حكم حديثة — رغم أنه لم يكن بريئًا قط. ومع ذلك، ما يُغفل دائمًا هو أن كل احتلال، عبر التاريخ، لم يدخل إلا من ثغرة: ضعف داخلي، أو خيانة، أو طمع انتهازي.
انتهى انتشار الاحتلال في بقاع الأرض، وتحررت الجغرافيا. لكن ما بدأ بعده كان أشد وأعمق: احتلال الفكر والقلب.
غزو لا يُسمع له صوت، ولا يُرى له علم، لكنه يتسلل إلى الداخل بسلاسة حريرية، يعيد تشكيل الإنسان دون أن يدري.
يتحوّل الإنسان إلى نسخة جديدة من نفسه، تتبدل أولوياته، تُعاد برمجة قيمه، حتى لا أحد يمكنه التنبؤ إلى أي طور سيصل، ولا كيف سيكون محيطه، ولا كيف سيؤثر فيه ويتأثر به.
منذ تلك اللحظة، اندلعت الحرب الخفية:
الحداثة والعلم في مواجهة الجهل والظلام.
يتجسد الجهل في التطرف بصوره، في الكراهية لكل مختلف بل أحيانا لنفس ذاته.
ويتجسد العلم في الابتكار، في اختراعات تسهّل حياة الإنسان، وتحمله إلى آفاق أرحب من الإدراك والمعرفة.
إنها حرب بين مدرستين فكريتين:
مدرسةٌ تؤمن بالحياة، بالتقدم، بالطموح. تعلّم أبناءها أن يتعلموا من الماضي، ويعيشوا الحاضر، ويزرعوا للمستقبل. تشبه الطيور، تحلّق وتبذر، فتُثمر الأرض وتُنير العقول.
ومدرسةٌ أخرى تمجّد الموت، وتُغلق على أتباعها كهوفًا من الوهم. تمنعهم حتى من التطلّع من ثقب في جدار، وتربّيهم على انتظار خلاصٍ غيبي، لا يحثهم على العمل، ولا يدفعهم لبناء حياة كريمة في دنياهم.
مدرسة تعالج الأمراض والمشكلات، وأخرى توهم أتباعها بأن لا داعي للعلم، ولا حاجة للخروج من الكهف، فالحق والحقيقة كلها في ما بداخل جدرانه.
هذه الحرب الفكرية لا يمكن أن تُحسم بالكامل، ستظل قائمة ما دام في الإنسان عقلٌ يتساءل، وقلبٌ ينبض.
تارةً يتصارع الظلام والنور، وتارة يتجاوران، بل وقد يتكاملان أحيانًا.
وحقيقة أن البشر، حتى الآن، لم يكتشفوا كل شيء عن أنفسهم، ولا عن الأرض، ولا عن هذا الكون الشاسع، تؤكد أن المجهول سيظل حاضرًا، وأن من سيظل بعيدًا عن ركب الحداثة لن يكون نادرًا.
فهناك من يمجّد الحياة، ويعلّم أبناءه كيف يعيشونها منذ لحظة تكوينهم في الرحم وحتى لحظة وداعهم للأرض.
وهناك من يمجّد الموت، فيقتل أتباعه وهم أحياء، بلا طفولة تُفرح، ولا أنوثة تُصان، ولا رجولة تُنتج، ولا شيخوخة تُكرَّم.
ولكل إنسان، رغم ذلك، حقه المطلق في أن يختار مدرسته، ومعتقده، ومسار فكره.
فالفكر لا يُفرَض، بل يُختار.