صرخات صمت | فصل في مدرسة الحياة
- Get link
- X
- Other Apps
صرخات صمت | فصل في مدرسة الحياة
"كل ألم هو فصل دراسي في مدرسة الحياة... لكن أحيانًا، نحن من يجب أن نغير الحصة ونختار الحياة."
"فصل في مدرسة الحياة"
في زاوية هادئة ببيت قديم، حيث يمتزج ضجيج ماكينة الخياطة بأصوات الجيران، كانت رُبى تتمدد على سريرها، تتأمل شروخ السقف. كل شرخ يحكي حكاية؛ تمامًا كالألم... له فروع، امتدادات، وجذور تنبت في أعمق الأعماق.
منذ سبع سنوات، عرفت رُبى المرض المزمن كضيف دائم. دخل حياتها بهدوء، ثم قرر البقاء بلا موعد مغادرة. في البداية، كانت تسأل كثيرًا، تبكي كثيرًا، وتقرأ عن حالتها كأنها تذاكر لامتحان مصيري.
"لماذا أنا؟ هل يجب أن أعيش لأفهم الألم وأعيشه، أم لأعيش فقط؟ ما سبب المرض؟ كيف أتعامل معه؟ ما الذي ينقصني؟ ما الذي فعلته لأستحقه؟" أسئلة لا تتوقف، حولت ألمها إلى مشروع بحث طويل.
لكن المرض لم يكن الألم الوحيد المحيط بها.
خارج غرفة رُبى، كانت أمها تجلس لساعات خلف ماكينة الخياطة، تكرر نفس الغرزة وكأنها تطرّز على حواف الصبر. يدها اليسرى تؤلمها منذ شهور، لكنها لا تتحدث.
أما أمها، فرغم ألم ظهرها ويديها، لم تتحدث عن تعبها قط. لكن كل حركة ونظرة منها كانت تروي حكاية. حين ترى رُبى تنهار من الوجع، كانت تقول بحزم حنون: "الألم مدرسة، والمدرسة فصول ومراحل لكل منها زمنه. إن غلبته، بات لك قوة، وإن انهزمتِ منه، بات لك ضعف. أنتِ صاحبة القرار والاختيار، وتذكري بعد كل ليل نهار، لك القرار أن تختاري في أي فصول السنة ستكونين، فدرجة اجتيازك للألم تحدد ما سيليه."
يغادر أبوها المنزل قبل شروق الشمس، ويعود بعد مغيبها، مثقلًا بتعب الصمت.
في ذلك البيت، لم يكن الألم تجربة فردية.
كان البيت مدرسة للدروس... لا دروس الكتب، بل دروس في البقاء، في الاحتمال، وفي الكتمان.
كان الأهل أنفسهم يعيشون ألمًا ليس دائمًا ظاهرًا، لكنه عميق ومشترك.
يحاولون محاربة ألمهم الذي يظهر في همساتهم وأفعالهم، وتفضح عنه عيونهم، في كل جبهة: الفواتير، الأدوية، القوت اليومي، والمجتمع الذي يمتلك دائمًا رأيًا وتنظيرًا، لكنه يفتقر إلى الحلول وفعل الخير.
كانت عائلة بأكملها تحاول التنفس في هواء ثقيل، تتعايش مع معيشة تثقل النفس، وهموم تنصب كالزرنيخ على تروس آلة العيش.
يعتقد الناس أن المرض يصيب الجسد فقط. لكن الحقيقة أن الألم الحقيقي يسكن مكانًا آخر... ينسج الجميع كالثوب، وكل ثوب يحكي قصته المنفصلة: في الخوف، في المسؤولية، في السكون الطويل بعد التعب، في نظرة أم لبنتها لا تعرف كيف تنقذها، وفي حساب بنكي لا يحتمل عبء دواء إضافي.
رُبى لم تكن وحدها مريضة.
أهلها كانوا أيضًا يتألمون، لكنهم لم يدخلوا مستشفى، ولم يكتبوا تقارير طبية.
في أحد الأيام، بعد أزمة صحية جديدة ومراجعة تنبيهات الطبيب الطويلة التي شملت مراجعة حالتها النفسية وانفعالاتها لتأثيرها على استجابة الأدوية، قالت رُبى للطبيب:
"لقد تعبت من أن تكون حياتي كلها تتمحور حول المرض. أنا لستُ مرضي، أنا أكثر من ذلك. لا يجب أن أدرس كل وجع فيّ، أحلله، وأفسره، ولا يجب أن يستمر الألم ففي استمراره موت حي، أريد أن أمرح وألعب، لا أن أحذر حتى من أن أنفعل أكثر من المسموح به."
نظر إليها الطبيب وصمت، ربما للمرة الأولى يسمع هذا من شخص يطلب حياة، مؤمنًا بحق كل إنسان في أن يعيش الحياة بكاملها، من لحظة ميلاده حتى رحيله."
فالمستشفى تقدم العلاج، لكن الحياة بكل تفاصيلها هي التي تحيي الإنسان: ابتسامة، ضحكة، فرحة من القلب، حياة غابت عنها مخاوف الخطأ أو فقدان المحبوب.
كانت رُبى تتلقى العلاج في قسم مخصص للخدمات المجانية، حيث الدعم العلاجي يتماشى مع عبء الماديات، حيث تنتظر لساعات طويلة للكشف والحصول على العلاج، بمستوى خدمات أقل مما تحتاج. كانت أمها تنظر إليها، تتلوى أحشاؤها من الألم، وتقول لها بمشاعر ذنب بالية من براءة ناطقة: "المرض كرحلة في قطار، سامحينا لم يكن بأيدينا أن نقدم لكِ رحلة في درجة أولى."
وفي إحدى ليالي الشتاء، بعد أزمة صحية مفاجئة، جلست رُبى قرب النافذة، تمسك بدفتر صغير. كتبت بخط مائل ومتعب:
"هذه معرفتي بالألم... أن كل ألم درس، إن الألم هو إحدى أكبر وأهم مدارس الحياة، لكل إنسان دروسه، ولكل منا مقعد في فصل ومرحلة، لكن ليس كل منا ينجح في إتمام دروسه في رحلة عمره. إن طال الألم أو سيطر علينا وفشلنا، تحول إلى هلاك. ليس مطلوبًا مني أن أعيش طوال الوقت أدرس الألم كأنه فرض، أو ألتصق به كرفيق. ليس من حقي أن أحبس نفسي في وجعي وأظن أن هذا نوع من الصبر. إنه درس لوقت، والنجاح هو أن أعيش الحياة وسط الألم ورغم وجوده، وأن أتجاوزه. فأفهم أن الوقت الذي أعيش فيه الحياة هو ذكرى طيبة وقوة وطوق نجاة في الوقت الذي يكون فيه الألم سيد الموقف؛ فالذكريات الجيدة هي شحن مجاني إضافي، بينما الذكريات غير الجيدة تفريغ لهذا الشحن الإضافي."
في صباح اليوم السابع في المستشفى، وفي غرفة مجاورة، وجدت رُبى فتاة أخرى كانت تلهو معها قبل أيام في الممر، لكنها كانت في لحظاتها الأخيرة اليوم.
قالت لها: "هل ستذكريني؟"
أجابتها: "بالتأكيد، وسأذكر لعبنا وضحكاتنا وسأبتسم."
فابتسمت لها الفتاة وقالت: "أرى أن هذا كل ما بيدي وأنا راحلة؛ ابتسامة حب، فرح، أوقات سعيدة، وذكرى ألم سأشفى منه برحيلي عن هذا الجسد المعلول. كانت الحياة بخيلة، أو ربما لم تكن لدي الجرأة لأستخرج السعادة من خزانتي في مدرسة الحياة. لقد انهزمت ومتّ منذ أن تركت الألم يحتلني حتى عاشني قبل أن أعيش الحياة، فقتلني بالأمس، واليوم أعد اللحظات لأترك حتى نصيبي من لحظات الحياة وأنفاسها، لأني تركتها بالأمس."
عادت رُبى لغرفتها وألقت بنفسها في حضن أمها وقالت: "لا أريد أن أموت قبل أن أحصل على نصيبي من السعادة في خزانتي بمدرسة الحياة. هل لنا أن نختار يا أمي؟"
أجابت الأم: "هذا ما يميزنا عن باقي الكائنات الحية، أن لنا دائمًا أن نختار. أنت قوية، لا تنجرفي مع تيار الألم. ما حدث لتلك الفتاة كان ناتجًا عن الآثار الجانبية للمرض، فالمرض ألم، والألم له آثار جانبية تزيد الأعباء بآلام أخرى، وكثرة الألم قتل حي. لذلك تقوي وتشافي، لا تدعي الألم يقتلك حيّة. فالموت وأنتِ على قيد الحياة أبشع وأكثر مرارة من الموت ذاته يا صغيرتي. ما زالت هناك فرصة، اغتنميها. أنتِ أملي، ورغم الألم، عليكِ اجتياز هذا الاختبار مهما كانت مرارته."
جاءت لحظة الحقيقة بسيطة، ففهمت رُبى:
أن القبول لا يعني الاستسلام، وأن التعايش لا يعني التجاهل.
هناك توازن يجب أن يُخلق:
ما بين "أنا مريضة" و"أنا إنسانة".
ما بين صراعات الأهل الخاصة بهم كلا على حدة وهم معًا، وبين صراع كونهم أهل وعليهم مسؤوليات.
بين تعب الأهل ومحبتهم.
بين إدراك أن "الوجع يعلم" وأن "الوجع قاتل هادئ محترف".
أن العيش رغم الألم، هو بحد ذاته انتصار.
أن الصبر لا يعني الاستسلام أو الخنوع للألم.
ولسنا مطالبين بأن نتناغم مع وجعنا، أو نتذكره كل يوم كأنه فرض دراسي، ولا أن نتعلم تفاصيل كل ألم. ولا يجب أن نتأمل ألم كل من نقابل ظنًا بأن ألمه أفضل أو أهون من ألمنا؛ فكل ألم هو درس ضمن منهج حياتي. لا يمكن أن ننال درسًا دون الآخرين، ولا ينبغي أن نشتهي ما لدى غيرنا. فالحياة مدرسة ذات مناهج ألم متعددة، تُوزع حسب ما نرث وما نُولد به من مهارات وإمكانيات تحمل واحتمال وصبر. وبعضنا يجد من يدفع عنه ثمن الألم ليتجاوزه دون أن يخوضه، بينما البعض الآخر لا يملك سوى حظ عاثر يقوده.
وأن عيش الحياة هو ما سنجنيه عند الرحيل.
بعدها، صارت رُبى تختار بعناية وتركيز أن تحيا لحظات صغيرة من الفرح، رغم الوجع:
أغنية هادئة، أكلة تحبها، رائحة قهوة أمها، لمسة حنان، ضحكة رغم كل شيء.
كانت تتشبث بحقيقة أن لديها عائلة، وأن لديها أملًا، وأن رفيقة ألم شاركتها آخر أوقاتها من فرح وألم، والأهم أنها ما زالت تملك حياة وعمرًا لتحياه كما تريد.
وصارت تكرر لنفسها هذه الجملة:
"أنا قراري أن أعيش الحياة؛ أعيش حياتي أنا، لا ما يسرد لي من منهج ألم في فصل من فصول الحياة."