حوار في صحراء النفس: بين التعايش والعيش
في رحلة سفر اختار السائق أن يختصر الطريق لتهدم الطريق الرئيسي. تاهوا عن الطريق في وسط الصحراء وغرست السيارة. انغرس العجل وكأنه يقف اعتراض لا عطل.
مر وقت لا جديد تحت الشمس الحارة، ولا مارّ يمر ليرشد التائه للطريق، ولا مجيب لينقذه من سراب الصحراء. حتى المكن عطل، فكر السائق وجلس في سيارته يائسًا.
فأخذه سراب الصحراء في رحلة في الذكريات وتأمل كيف كانت الحياة وهل كانت حياة؟ وبدء حواره مع نفسه في سهل السراب. مازال يجلس على كرسي السائق لكن نفسه جلست بالجوار.
السائق: هل عشت أم تعايشت؟ وإلى أين؟
النفس: التعايش وسيلة بقاء، ولكن العيش طريقة معيشة. التعايش لا اختيار، ظروف لازم تتماشى معها، ناس لازم تتعامل معهم. غير كده لا راحة ولا متعة. الأمر أشبه بأداء مسرحي، أحيانًا استعراضي موسيقي تمثيلي، وأحيانًا سيرك، كله تحت التقييم. أما العيش فيعني مشروب وكرسي على شاطئ بحر بلا ناس، زحمة، فرح، هدوء، وسلام. بتعيش اللحظة لتغتنمها. لكن في التعايش، تعيش لتنجو منها باللي بعدها.
السائق: إذًا التعايش أقل من العيش. العيش معيشة، لكن التعايش محاولة تأقلم لا تنجح ولا تفشل عادة.
النفس: نعم. التعايش وسيلة نجاة وسط معركة مش من اختيارك. أما العيش، لحظة صفا وسط حياة أنت اخترت تكون فيها "موجود"، مش مجرد "متحمل".
السائق: التعايش أشبه بأداء مسرحي، أحيانًا استعراضي، موسيقي، تمثيلي، وأحيانًا سيرك... كله تحت التقييم. عبء، تمثيل، أقنعة، بتتقمص دورك عشان تعدي المشهد. ناس بتتفرج، وانت بتتظاهر، والمسرح دايمًا مليان بس ولا لحظة حقيقية ليك. أما العيش، يعني مشروب وكرسي على شاطئ بحر، بلا ناس، بلا زحمة… فرح، هدوء، وسلام. كأن التعايش بيقولك: خلي بالك، انت النجم البهلوان على الحبل، إن غلطت انكسرت أو مت، وانت برضو العروسة الحلاوة اللي من السكر، إن اتحطت تحت أشعة عيون الناس ساحت، وإن أهملت تأملت من النمل وان وان… فاحذر الناس شايفاك! لكن العيش بيقولك: انسَ الناس… إنت شايف نفسك، حبها، وحب نفسك، وحياتك، وعيش. اغتنم اللحظة، عيشها حياة حية؟
النفس: نعم. التعايش، بتأدي عشان "تنجو"، لكن العيش، بتختار عشان "انت تستحق".
السائق: بس احنا ما بنختارش.
النفس: أيوه. مش بنختار الظروف، ولا الناس، ولا الأقدار… لكن بنختار إزاي نحب وسط ده كله، إزاي نصنع لحظة عيش رغم كل اللي بيشدنا ناحية التعايش.
السائق: زمان كان في اللمة، الفسحة، الحلو بعد الغدا، الضحك حوالين التلفزيون… كلها راحت مع الزمن وهوس السعي والتعايش مع حياتنا. تخيل أوقات بنحاول نتعايش حتى مع أنفسنا.
النفس: دي مش كماليات لتهميشها، دي نجاة. كل حدث سرعان ما يتحول لذكرى، وكل ذكرى قوة وضعف حسب ما حملته طياتها. دي مقاومة ضد كل قسوة تقابلها. أحيانًا يحاول الإنسان التعايش مع نفسه، وأحيانًا نفسه تحاول النجاة حتى منه.
السائق: الزمن قاسي.
النفس: والناس كمان أحيانًا. لكن الثابت: الزمن ما بيتهزرش معاه، محدش بيلعب ضده… الشاطر يركب عقرب ساعته، مش ساعة غيره، ويركبه مش يتركب منه.
السائق: طعم كل شيء اتغير... حتى اللمة… تحولت أحيانًا لتعايش.
النفس: التعايش زي وحش من الهولم، الصلصال الشفاف، بياكلنا من جوا ليترك مرار وتعب واجتهاد عالي. فنبقى موجودين لكن متآكلين، بطاريات فاضية متآكلة. والزمن لا بيقف ولا بيستنى. لا ينفع تنساه ولا تدور حوليه. زي راكب الموج، اركب زمنك وعيشه، عيش الحياة يا عزيزي. الإنسان والزمن في علاقة مدمجة صعب تفصلهم. فاللحظة اللي كانت لن تعود، وإن عادت لن يعود الزمن، وإن عاد لن يعود الإنسان ذاته اللي كان فيها. هي طبخة بلا مقادير مُعلنة، ظبطها بنفس النكهة صعب. لوحة رسمها بنفس الروح صعب، حتى لو كانت بنفس يد الرسام وريشته ونفس الرسمه، لأنها في الأصل حالة مش شيء.
السائق: أيوه… التعايش شكله ناعم، مالوش صوت، بس بياكل من جوه — بياكل الأحلام، والبسمات، وراحة البال. وفي الآخر، بتكوني واقفة… شكل إنسان، لكن البطارية فاضية، مسوسة، ناية.
النفس: لا تحزن. بعض الأوقات لا تعود، وبعضها كانت لسبب لم يعد له وجود. كل لحظة تتلوها أخرى. واللحظات زمن، والزمن يحمل الخير والشر، الحياة والموت، النور والظلام على قدم المساواة. كلا منهم في وقته يظهر. ووجود نفس واحدة جوها شر أو حقد بيفسد اللمة. ومفيش لحظة مفيهاش شائب أو يتلوها أمر ما.
السائق: الحب ما يعرفش يتنفس في غرفة فيها كراهية صغيرة مخبّية نفسها في الركن. اللحظة اللي كانت لن تعود، وإن عادت لن يعود الزمن، وإن عاد لن يعود الإنسان ذاته. اللحظات مش صور تتعاد. هي حالات شعورية، مش جدول نرجع له. وإحنا، لما بنفقد اللي كنا عليه فيها، اللحظة ذاتها بتبقى شبح من العطر. ريحة قديمة متبخرة… ممكن نكون داخل اللحظة جنب بعض، لكن صعب نعيشها سوا. التعب، الفقد، المرض… كل ده بيخلي حتى لمة القلب تتفكك لفراغات.
وفجأة، قطع عليهم الحوار بدوي بحمار عابر في الصحراء، ساعده في الخروج من المتاهة والعودة للطريق.