الحذاء الخشبي
في زمن غابر في مدينة صغيرة، حيث كانت الشمس تشرق بهدوء على الحقول، كان بعض الأطفال يلعبون بحرية، وأقدامهم تلامس الأرض الخضراء بأمان. ليلى، الفتاة الصغيرة ذات العيون الحالمة، كانت تراقبهم من نافذة منزلها العتيق. جلست على كرسي خشبي قديم، قدميها مربوطة بقوة، كما كانت تفعل جميع الفتيات في قريتها.
كان هذا الإجراء إلزاميًا، ضريبة لا مفر منها للجمال في مدينتهم.
في يومٍ ما، وأثناء حملها لدلو الماء، انزلقت قدماها وسقطت على الأرض وجلست لأيام غير قادرة على أن تدوس بقدمها أو تضعها في القالب وهو كان أمر مرعب للفتيات حتى لا تنمو عضل اوعصب قد دمر في تداريب الحذاء الخشبي الأقل مقاس. الألم كان لا يُحتمل، لكنها لم تستطع أن تُظهر ذلك، لأن الصمت كان الحكم الذي لا يكسر، فكان خيارها الوحيد أن تترك الالم يفقدها الاحساس بالقدم.
هذا كان أول يوم للحذاء الخشبي الثاني، الأصغر حجمًا، والأكثر قسوة، يطبق خناقه على قدميها الصغيرة، كما يفرض التقليد البالي في تلك المدينة.
كانوا يقولون: "من لا تستطيع التحمّل، لا يمكنها أن تكون جميلة ولا تُقبل كعروس."
في التجمع العائلي المعتاد، اجتمعت الفتيات في غرفة منفصلة، حيث تبادلن الأحاديث لكن ليس كالمعتاد، تلك المرة، كانت إحدى الفتيات تتألم بشدة. شعر الجميع بآلامها، ولكن كان الصمت هو السائد.
وأخيرًا، تحدّت إحداهن هذا الصمت وكشفت عن الحقيقة. قالت بصوت منخفض: "لقد مررت بما مررتِ به، وفشلتُ. قبّحتُ في أعينهم لأنني لم أستطع التحمل."
وأكملت وهي تغالب دموعها: "كنت أتمنى لو كنت أستطيع ضرب نفسي بعصا خشبية حتي أفقد الإحساس والوجود بجسدي بينهم كان صعب تحمل ألم نفسي من ألم نظرات الجميع إلي وما ينتظرني من رفض."
ردت أخرى بلهجة قاسية: "من لم تنجح في هذا، يُقال عنها ممقوتة ولا يُسمح لها بالمشاركة في الاحتفالات."
فقالت إحدى الفتيات بتحدٍّ: "لكنني نجحت، ومع ذلك لم أقبل من أي عائلة، لأن مقاس القدم ليس المعيار الوحيد."
ثم تحدثت إحدى الفتيات الأكبر سنًا قائلة: "هذه المسابقة ليست اختياريّة. فرضوها علينا وأجبرونا على المشاركة فيها."
وتدريجيًا بدأ الحديث يتسع ليشمل الرجال، فقالت إحدى الفتيات: "سمعت أن بعض الرجال أيضًا يرتدون الحذاء الخشبي."
أجابتها أخرى بفخر: "نعم، سمعت أن الحرس الملكي يفعلون ذلك، ولكن... لماذا؟"
وردت أخرى بتعالي: "لأننا فتيات، والجمال هو عنواننا، أليس كذلك؟"
لكن صاحبة الصوت الأول أجابت: "بالطبع، أنتِ نجحتِ في تقليص قدمك، لكن هل الجمال حقًا يعتمد على مقاس القدم؟"
كانت أقدامهن تنزف بصمت، تمامًا كما تنزف أرواح النساء حين يُجبرن على تَقمّص ما لا يشبهن، فقط ليُقبلن.
وبينما كان الحوار مستمرًا، ظل صوت الألم الصامت يصرخ داخل ليلى. كانت تتمنى أن تصرخ، أن تنهار، أن تبكي... لكنها لم تجد القدرة على شيء سوى الصمت. كان الألم بداخلها أكبر من أن يُقال، أعمق من أن يُفهم.
وحين سقطت تلك الليلة على فراشها، رفعت قدمها بيد مرتعشة، وأدخلتها من جديد في القالب الخشبي... لا رغبة في الجمال، ولا خوفًا من القبح، بل بحثًا عن ألم محسوس، يمكن السيطرة عليه. ألم يُلهيها عن ذلك الآخر، الذي ينخر في صدرها دون شكل أو صوت.
ففي بعض الأحيان، يكون ألم الجسد أو فقدان الإحساس به والاتصال به هو المسكّن الوحيد لأوجاع لا يراها أحد.