سلسلة حقوق المرأة | نيرة والقرار
بعد سنوات طويلة، جمعهنّ القدر مجددًا داخل عيادة "ندا". أربع نساء، بأربعة مصائر، ووجوه تحمل آثار الزمن والمكان: صابرين، ندا، نيرة، وهالة.
كنّ زميلات في المدرسة الابتدائية؛ يجلسن على ذات المقعد، يرتدين ذات الزي، ويدرسن ذات المنهج. لكنهن جئن من عوالم مختلفة، تجاربهن المعيشية صقلتهن لحياة مختلفة تمامًا.
في صباح يوم خميس، على غير العادة، امتلأت عيادة ندا بالحالات. إحداهن تستأذن لتدخل قبل دورها، وأخرى توافق بلطف. في لحظة عابرة، تتقاطع النظرات، وتنفلت الذكرى:
— "صابرين؟!"
— "هالة؟!"
ضحكات قصيرة، دهشة، وسيل من الأسئلة: "أين اختفيتِ؟ كيف حالك؟ كيف كانت حياتك؟"
تدخل الممرضة على ندا متعجبة: "الحالة اللي مستنية من ساعتين وافقت تتنازل لواحدة داخلة الآن ومن غير حجز، وبيقولوا إنهم أصحاب زمان!" تتفحص ندا الاستمارتين وتبتسم بدهشة: "ياه، معقولة، دول زميلاتي في المدرسة..." فتطلب إدخالهما معًا.
بعد الكشف، وإعطاء المسكن للحالة الطارئة، يتفقن على أن يكملن الحديث في مقهى قريب، حيث كانت ندا قد اتفقت على مقابلة نيرة، زميلتهن الرابعة.
جلسة شاي طويلة، بدأت بمفاجآت اللقاء والتجمع، مروراً بلحظات دافئة، فيها من الحنين بقدر ما فيها من الوجع. وفي طريق عودتها، جلست نيرة تتأمل.
صابرين: أحلام ماتت قبل أن تولد
نشأت صابرين في أسرة بسيطة، واستسلمت مبكرًا لاختيارات غيرها. والدها زوّجها لتاجر كبير وهي لم تُكمل الخامسة عشرة: "قال هيسترها." الآن، هي مطلقة وأم لثلاثة. تحمل في قلبها وجعًا عتيقًا، وصدمة لم تندمل، ظهرت في قولها: "أنا عمري ما قلت لا... مش لأني مقتنعة، لكن لأني ما عرفتش إني من حقي أقولها." تأقلمت، لكن أحلامها ماتت قبل أن تولد.
ندا: التوازن بين الماضي والواقع
من أسرة راقية، فقدت ندا كل شيء بعد وفاة والدها. رفضت أن تبيع كرامتها تحت اسم الزواج. عملها في العيادة منحها استقلالًا، لكنه لم يشفِ وحدتها: "هم شايفين الجواز شطارة، مجرد تركيبة كيميائية: مادام المكونات موجودة خلاص. بس الحقيقة إن زي أي دواء، لازم نفكر في التفاعل، الآثار الجانبية، والمستقبل... مش بس نحط المواد جنب بعض ونستنى نتيجة واحدة." تحاول التوازن، لكنها ما زالت بين ذكرى ماضٍ لامع، وواقع يزداد ضيقًا.
هالة: قرار حر وحياة مستقرة
من عائلة متوسطة، تعلّمت هالة كيف تقف وتختار. تزوجت زميلها بعد سنوات من العمل والمشاركة: "مش حظ... ده نتاج بيئة علمتني إزاي أقول آه أو لأ وأنا واقفة، مش مكسوفة." حياتها مستقرة، لا مثالية، لكنها نابعة من قرارها الحر.
نيرة: المرأة بين القيد والتحرر
أما نيرة، فكانت تعمل في جمعية لحقوق المرأة، وكانت تنظر للأمر بمنظور مختلف؛ حيث أن الزواج عقد والعقود أنواع، وأن الثقافة العامة لها تأثيرها. ترى أن بعض الزيجات كانت مجرد صفقات خلّفت غريمات في السجون أو مطلقات في أروقة المحاكم. وللأسف، تُقَيَّم المرأة كجهاز يُشترى لخدمة المشتري، لا كإنسان حي يشارك الحياة. الوسط الاجتماعي والبيئي والتعليمي والمالي كلها معايير للتقييم. صرخات "ممنوع تشبيه النساء بالرجال" كانت لإبطال صوتها عن طلب حقوقها، ومقولة "ملهاش الا بيت زوجها" كانت لترسيخ روح الاستسلام، و"واجب عليها... ولا يجب..." كانت لترسيخ روح الاستعباد.
ترى نيرة أن لكل فتاة وامرأة الحق في أن تنضج قبل أن تُطالب بالاختيار، وفي أن تقرر مصيرها بوعي ومسؤولية — في الزواج، في الأسرة، وفي الحياة الشخصية. هذا حق مكفول بقوانين محلية ومحمي باتفاقيات دولية.
الفرق لم يكن في الظروف فقط، بل في الحق في اتخاذ القرار. في أن يكون القرار نابعًا من الوعي... لا الفرض.
القرار ما كان في يد صابرين، ولا حتى في قلبها. لكن كان يجب أن يكون. ندا لم تنجُ تمامًا من مجتمع لا يرحم، ينهش سمعة المرأة إن اختارت وحدتها على زواج لا يشبهها، وأن هالة هي الأفضل حالًا بينهن رغم أنها ليست كثيرة الترف والرفاهية.
أغلب قصصهن تبدأ بكلمة: ممنوعة... لأنها أنثى.
قيد، لجام، وأحيانًا قبرٌ يُبنى من الكلمات الرائجة.
لكن تنجو من تمسكت بالنور، ورددت داخلها: "نعم، وُلدت أنثى… وأفتخر."
في نهاية اليوم، سطرت نيرة في مذكرات يومها كلماتها بشعور عميق:
قالوها قيدًا: "ممنوع… لأنها أنثى."
لكن حقها حرية اتخاذ القرارات المتعلقة بالزواج، الأسرة، والحياة الشخصية كما ورد بالمادة 16 (الفقرة 1، ب) من اتفاقية حقوق المرأة.
فردّت بتشافي: "وُلدتُ أنثى… وأفتخر."