سلسلة حقوق المرأة | نيرة والإختيار
صباح ثقيل رغم نعومة النسيم في فناء الجمعية.
في الطابق الثاني، غرفة صغيرة يعلّق على بابها لوحة نحاسية مكتوب عليها: "الدعم القانوني للنساء – نيرة عبد السلام"
دخلت نيرة بهدوء كعادتها.
ألقت حقيبتها على الكرسي، رتبت أوراق الأمس، وفتحت النوافذ.
كانت تحب الضوء الطبيعي، لا فقط لأنه يُريح العين، بل لأنه يفضح الأشياء التي يخفيها الظل.
طرق خفيف على الباب.
دخلت السكرتيرة، سلمى:
"صباح الخير أستاذة نيرة، قهوتك، وده جدول اليوم."
ثم بابتسامة:
"أول حالة جاية من بدري… تحبي تدخل دلوقتي؟"
أومأت نيرة برأسها دون كلام.
وضعت السكرتيرة الفنجان والورق، وانسحبت.
بعد لحظات، فتحت الباب ودخلت فتاة عشرينية…
ليست صغيرة، ولا ناضجة تمامًا.
تجلس بهدوء، تضم حقيبتها إلى صدرها كما لو كانت درعًا، وتنظر حولها بقلقٍ فاتر.
نيرة، بابتسامة دافئة:
"اتفضلي… قوليلي حكايتك، من البداية اللي تريحك."
سكتت الفتاة للحظة، ثم قالت بصوت منخفض:
"أنا اسمي سلمى. كنت بحب زميلي في الجامعة… مش حاجة كبيرة، بس كنت حاسة إني لقيت نفسي فيه."
نيرة لا تقاطع. تشرب رشفة من القهوة، وتكتفي بالنظر.
"بابا رفضه. قال: الحب تفاهة… وأغلق الموضوع.
أنا سكت. وبعدها جالي عريس، عن طريق جارتنا، زواج صالونات… مفيهوش عيب، مادّيًا كويس، كلامه منمّق… بابا قال: ده الأفضل… وأنا كنت تعبت من المقاومة."
تتنفس:
"اتجوزته… وبدأت أختفي."
سلمى تتحدث، ونبرة صوتها ليست مكسورة، لكنها مشروخة… كأنها تحكي عن شخصٍ آخر، ثم تُفاجأ أن الشخص هو هي.
"بعد الجواز، اكتشفت… إنه مريض. مرض ااااا….. بعد ما اكتشفت الأمر بدأ يعاملني وحش، كان بيصغرني بكلامه، ويكبّر نفسه عليّا. وضرب وإهانة وتقليل، يعني، كل ما أتكلم، يقاطعني.
كل ما أضحك، يسأل: بتضحكي على إيه؟، كل ما أطلب حاجة، يقول: أنا مش خدام عند حد، وعلى أتفه الأسباب يتخانق ويزعق وبدون سبب يضربني ويهيني."
تتوقف لحظة، تلتقط أنفاسها، وتكمل:
"كان بيقفل باب الأوضة علينا، وكأنه قفل النور فالدنيا.
وكل يوم يقول: أنا قررت، انا قلت ، انا الرجل،،، انتي مين انت، رغم اني متعلمة وشهادتي أعلى من شهادته"
في هذه اللحظة، نيرة لا تتحرك، لكن وميضًا سريعًا يخطر في ذهنها.
يد كبيرة تنتزع شيئًا صغيرًا من كفّها.
صوت غليظ: "ما فيش بنات تلعب فالسن ده!"
تعود للصوت أمامها، دون أن تغيّر ملامح وجهها.
"سِبت البيت، روّحت لأهلي، قالولي ارجعي بيتك.
وهو طلبني في بيت الطاعة… بس البيت اللي ودّاني فيه كان حاجة تانية."
تحاول سلمى أن تضحك، لكن صوتها يتهشم:
"بيت بدون كهربا، مية بتقطع، حيطان كلها رطوبة…
وما فيهوش مفتاح لباب الشقة غير معاه وبيقفل عليا وهو داخل وخارج بالقول… يعني أنا محبوسة، بس بالشرع."
تُخفض صوتها وتقول:
"رفعت خُلع. اتنازلت عن كل حاجة… عشان آخد نفسي."
نيرة تتنفس بعمق. لا تُبدي شفقة. فقط احترام.
تُدرك أنها أمام امرأة فعلت المستحيل لتقول "لا".
تمد يدها بهدوء نحو دفتر أمامها، وتفتحه، وتكتب بخط مرتب:
"حرية التنقّل.
حرية السكن.
حرية التعبير.
الحق في اختيار نمط الحياة."
وفقاً للمادة 15 (الفقرة 4): "تكفل الدول الأطراف للرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالقوانين المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص واختيار مكان الإقامة والسكن."
ترفع نظرها، وتسأل:
"تحبي نبدأ من أول ورقة؟
ولا من اللحظة اللي قررتي فيها إنك مش هتستسلمي؟"
سلمى تنظر إليها، لأول مرة بعين فيها بُكاء، لكن مش ضعف.
تقول:
"نبدأ من اللحظة اللي اخترتني فيها… قبل أي حاجة تانية."
وهنا تتذكر نيرة… أول مرة اختارت فيها نفسها.
وساد صمت.
نيرة ابتسمت بخفة، لكنها لم ترد.
ظلت تنظر إلى نقطة بعيدة خلف ظهر الفتاة، كأنها ترى شيئًا لا يظهر لسواها.
فلاش باك يبدأ:
رائحة العرق، والطين في الحذاء الرخيص.
كانت نيرة في أول عمل لها، تعمل مقابل أجر زهيد.
لم يكن ضعف المال هو المشكلة الكبرى… بل طريقة النظرات، النبرة، الطلبات التي تأتي مموّهة بالأمر والكلمات المرددة بين الناس في الحوار:
"هاتي… "
"انتي… غلط… متفتيش… متقوليش "
"بلاش تفتي… الشغل مش للبنات… اقبلي اي عريس… مرتبك أقل لانك انثى… طلبتوا المساواة استحملوا بقى… "
كل كلمة كانت تسحب من كرامتها قطعة صغيرة.
وفي أحد الأيام صاحب العمل قال:
"ده الشغل. ولو مش عاجبك… الباب يفوّت جمل."
نظرت إلى الباب.
لأول مرة، رأت الباب كخلاص، لا تهديد، وقالت بصوت ثابت:
"مش كل حاجة اسمها شغل تبقى شغل و ديه مذلة مش شغل."
وغادرت.
نيرة تعود لنظرتها الحاضرة.
تأخذ رشفة من قهوتها التي صارت باردة.
تنظر لسلمى وتقول:
"اللي يخسرك عشان تختاري كرامتك، هو الخاسر.
مش إنتي."
بعد أن أنهت نيرة جملتها لسلمى،
ساد صمت صغير،
لكن عقلها لم يكن صامتًا…
بل عاد إلى زاوية زمنية لم تمُت بعد.
كان عمرها 11 عامًا،
في ركن الحوش الخلفي لبيت قديم في حي شعبي.
وجدت عصفورًا صغيرًا مصابًا،
جناحه ملتوي، يتنفس بصعوبة،
فحملته براحة يدها،
وجرت به إلى الداخل.
قالت لأمّها:
"هنحطه في العلبة دي، وندفيه… ونأكله… وهيعيش."
لكن أمها صمتت، ثم أخذت العصفور منها، وخرجت.
بعد دقائق، عادت بدون العصفور.
لم تقل شيئًا.
لم تشرح.
لم تسأل نيرة أين وضعته،
ولا قالت "ما ينفعش"،
ولا "أصل…".
فقط… أزالت العصفور من الحكاية.
في تلك الليلة، ظلت نيرة تحدق في العلبة الفارغة،
تتخيل لو أن أحدهم حملها هي، وأخفاها بعيدًا عن إرادتها…
ثم قال:
"دا أحسن ليكِ."
نيرة تنظر الآن إلى سلمى، وترى وجهًا يحمل أثر ألف عصفور لم يُسمَح له أن يطير.
تبتسم نيرة ابتسامة صلبة وتقول:
"أنا عندي قناعة… اللي يختار لك عكس إرادتك ، بيقتلك من حيث لا يدري."
سلمى تهز رأسها ببطء… تنظر إلى نيرة بارتياح
نيرة تدون ملاحظة في دفترها
"ممنوعة لأنها أنثى: من التعبير، من التنقّل، من اختيار نمط الحياة.
لكنها حين قالت: 'نعم، وُلدت أنثى وأفتخر'،
حين كسرت قفصًا كانت قضبانه كلمات في عقد…
استعادت نفسها، ونجَت."