حكايات مع الجدة | في ثياب بشر
- Get link
- X
- Other Apps
حكايات مع الجدة | في ثياب بشر
عند أول شروق للشمس، ذهب زيد إلى الجدة مسرعًا ليقصّ عليها ليلته.
قرع الباب، فوجده مواربًا، فدخل.
كانت الجدة تجلس على كرسيها الهزّاز، تسرّح في الخيوط المتشابكة من شالها الصوفي، بينما يلفّ المكان دفء الكانون.
نظرت إليه وسألته:
"مالك يا زيد؟ وجهك شاحب، وعيناك تحكي عن رعبٍ رأيته ولم تنَم."
قال وهو يجلس قرب قدميها:
"لم أنم الليلة الماضية."
فقالت برقة:
"ليه يا ولدي؟"
ردّ، وهو ما زال يرتجف:
"كنا نتسامر عند الشجرة… وزويد حكى لنا عن جنّية تظهر في صورة إنسية.
ضحك زين باستهزاء، وفجأة… الشجرة اهتزّت، والمياه المجاورة تموّجت بقوة، مع إن ما فيش ريح!
فزعنا، كل واحد جرى على بيته… ومن ساعتها ما جاني نوم."
ابتسمت الجدة، وقالت بصوتٍ خافتٍ كأنها تحكي سرًّا قديمًا:
"زمان… كان يُحكى لنا إن بيننا من هم ليسوا بشر.
مش من فصيلة واحدة… زي ما البشر مش نسخة واحدة.
الأرواح كمان أنواع وترددات، وكل روح لها تردد، زي موجة إذاعة.
لو تردد روحك بيشبه ترددهم… هتحسهم. غير كده؟ تفتكرهم ناس عاديين.
بيمشوا وسطنا، ياكلوا، يتكلموا، يضحكوا… لكنهم مش زينا."
ثم وضعت الشال جانبًا، واسترسلت:
"كانوا أنواع، وكل نوع جاي لهدف…
في منهم… أبناء النور.
أرواح جاية من فوق، من مكان أعلى من السما.
بيحبوا بزيادة، يصدقوا بسرعة، بس الدنيا تقيلة عليهم.
تلاقي نظرتهم هادية، وقلبهم موجوع، ونورهم ما بينطفيش… حتى وهما مكسورين.
وفي اللي جم من العدم… أبناء السكون.
بيحبوا الصمت، والكلام عندهم قليل بس عميق.
لما يحكوا، تحس الكون بيهدأ حواليك. كأنك بتحلم.
وفي نوع تالت… المفاتيح الحيّة.
دول مش بيختاروا، الزمن هو اللي بيختارهم.
لما يدخلوا مكان، بتحصل حاجة.
هم الشرارة، والباب، والتغيير.
وفيه… المراقبين.
كائنات بتسجّل، تراقب، من غير تدخل.
يشوفوك بتبكي… وما يقولوش كلمة.
لكن بعدين، تتذكر نظرتهم وتحس إنهم كانوا شايفينك من جواك.
وفيه أخطرهم… الظلال المتجسدة.
مش شياطين… لكن أرواح بتكسر الثابت، وتهد القديم.
وجودهم مؤلم، لكن بعدهم… في ناس بتتولد من جديد.
وفيه تايهين… الحالمين المنسيين.
جُم من عوالم تانية، بس نسيوا هما جايين ليه.
يدوروا على كلمة، على باب، على نغمة… ترجعهم لأصلهم."
سأل زيد بقلق:
"يعني ده كله حقيقي يا جدّه؟"
ضحكت الجدة بهدوء، ثم نظرت إليه نظرة طويلة، كأنها تخترق جلده، وهمست:
"يمكن… بس محدش يعرف هو مين، إلا لما يقع، أو يصحى.
ينور… أو يطفي النور."
وفي تلك الليلة أيضًا… لم ينَم زيد بسهولة.