ارض بوابة الجحيم | بحيرة البجع
في أطراف الأرض، حيث لا تطالها شمس، ولا يعرفها بشر، توجد بحيرة ساكنة… لا يُرصد لها مدخل، ولا يُعرَف لها مخرج.
في أرض بوابة الجحيم، لا تبدو الأشياء كما هي.
السكينة قد تُخفي النار، والجمال قد يُخفي وجعًا لا يُقال.
وسط الضباب والنار، ترقص بجعة بيضاء، تُزيّن ريشها خيوط من ذهب… لكنها ليست بجعةً عادية.
إنها ظلّ إنسيّة تاهت عن جسدها، وما زالت تبحث... في صمت.
كانت تسبح نهارًا في البحيرة، هادئة... أمام الجميع.
لكن ظلها، كان روحًا مجنّحة ترقص رقصة "بحيرة البجع"
فوق مياه النار، عند انحناءة الغروب.
وجهها هادئ، خطواتها موزونة، نظراتها ساكنة… كأن لا شيء يهزّها، كأن الجمر لا يمسّها.
يقولون عنها: قوية.
تعرف كيف تعبر البحيرة.
لكنهم لا يرون ما يحدث ليلًا… حين يحلّ الظلام، تتحوّل المياه إلى لهب، والبجعة إلى إنسيّة مجنّحة.
بالنهار تسبح بصمت، وبالليل ترقص بين نيران الهلاك الأبدي.
رقصتها… فيها حياة، وقوة… لكنها منسوجة من الألم.
من قال إن الموت هو لحظة فراق الجسد؟
ذاك جاهل بالحقيقة.
فالحياة، هناك، تطلّ أحيانًا بلحظات حبّ عابر، دفءٍ صادق، أو ابتسامة قلب… والموت، قد يحلّ في قلبٍ مكسور، في إنسانٍ خزي، أو روحٍ تاهت عن نفسها.
في داخل كل بجعة إنسيّة، يعيش بها كل ما مضى… حيًّا، كأنه لم يغادر.
كل ألم… ريشة، إما تُثقل الأجنحة، أو تسقط، إما تمنحها قوة… أو تخفيها ظلًّا.
كل شيء في البحيرة حيّ.
للماء ذاكرة ناعمة... لكنها لا تُنسى.
تحمل ما مرّ بها، وتُعيده كأنه يحدث الآن.
الزمن هناك لا يمرّ... بل يُشكّل.
يصوغ الوجع كما يصوغ الصائغ جوهرةً نادرة.
في كل صباح، تستيقظ البحيرة الراكدة بوجهٍ جديد، لكن وجهها مرّ على ألف ليلة بكاء في بحيرة النار.
تغسل ملامحها من الحزن، تمشّط مياهها بيد مرتعشة، لكنها لا تُظهر ذلك.
تلبس صبرًا مفصّلًا على مقاس الانكسار… وتخرج.
بحيرة راكدة... ليسبح بها البجع.
لكنها لم تعد تعرف متى بدأت تتشقّق.
كانت قطعةً واحدة… تشعر، تحب، وتحلم.
ثم مع كل صدمة، وداع، خذلان… تهشّمت قليلًا.
في النهار: قطرات ماء.
وفي الليل: ألسنة نار.
أصبحت ثابتة، لكن مكسورة.
كاملة، لكن مفتّتة.
جميلة في عيونهم، قوية في صمتها، لكن هشّة... داخل فواصلها.
ذاكرتها لا تنسى.
كل لحظة فيها تتنفس:
فرح النهار، ألم الليل.
وكانت تهمس أحيانًا:
"بشعٌ أن يعيش فيك كل ما مرّ… حتى لا تعود تحتمل الحياة مرة أخرى."
ورغم ذلك... كانت تعيش.
بجعةً في النهار، مجنّحة في الليل.
طارةً بحيرةً... وطارةً ساكنها.