العائلة حظ
العائلة حظ
في مدينة تتنفس الصراخ أكثر من الهواء، كانت "ليلى" تراقب الشارع من نافذتها الصغيرة. ضجيج الباعة، جدالات الجيران، وضحكات الأطفال تتداخل مع أصوات النوافذ المغلقة بإحكام، كأنها تحاول صد الحقيقة عن الداخل.
رغم كل شيء، كانت ليلى تعرف أنها محظوظة… ليس لأنها وجدت الحب والسلام، بل لأنها وجدت عائلتها إلى جانبها وسط الظلام. أهلها لم يكونوا مثاليين، ولم يكونوا قادرين على حمايتها من كل شيء، لكنهم كانوا الحصن الأخير، السور الذي بقي واقفًا حين انهارت كل الجدران الأخرى.
المجتمع كان قاسيًا، لا يرحم، يطارد المختلف كأنه خطر يهدد استقراره. كانت ليلى ترى كيف تتشوه الأرواح هنا، كيف تُطمس الهويات في سبيل البقاء. الكل يحاول النجاة، ولو على حساب الآخرين.
كبرت ليلى وهي تسمع نفس العبارات: "اصمتي"، "لا تناقشي"، "لا تثيري المشاكل"، لكن روحها لم تعرف السكون. كانت ترى الظلم، تحسه في عظامها، في الهواء الذي تستنشقه، في النظرات التي تقتل قبل أن تنطق الكلمات.
وذات ليلة، بينما كانت تتأمل انعكاسها في المرآة، شعرت أن هناك شيئًا ناقصًا. كان الوجه مألوفًا، لكنه لم يكن لها. كل الرتوش التي أضافتها الحياة على ملامحها، كل التشققات في روحها، لم تكن انعكاسًا لما كانت تؤمن به يومًا.
-"أنا محظوظة بأهلي" تمتمت بصوت خافت، وكأنها تحاول التأكيد على هذه الحقيقة الوحيدة التي بقيت معها.
لكنها لم تستطع إنكار الحقيقة الأخرى:
-"ملعونة الظروف، ملعونة البيئة، ملعونة المجتمعات التي تحطمنا قبل أن نكتشف أنفسنا".
كانت تعلم أنها إن بقيت هنا، فستذوب، ستصبح جزءًا من التشوه نفسه الذي قاومته طويلًا. لم تكن تعرف متى، أو كيف، لكنها أيقنت أن عليها الخروج، أن تبحث عن طريق آخر، عن هواء مختلف… عن حياة تستطيع أن تكون فيها نفسها دون أن تعاقب على ذلك.
وفي تلك الليلة، قررت أنها لن تنتظر الفجر… بل ستصنعه بنفسها.