في عالمٍ غارق في الظلال، حيث تُخفى الصرخات خلف جدران لا تُرى، كنت أحلق بين القلوب التي انكسرت، والعيون التي انطفأت، والبيوت التي تسكنها الأرواح المحطمة.
سمعت الهمسات، تلك التي لم تسمعها الأرض، ولم تجرؤ على الصعود إلى السماء.
سمعت صوت امرأة سجينة بين جدران الخوف، ورجلًا خنقته أعباءه حتى صار بلا ظل.
وحملت صرخاتهم المخنوقة، كأنها رياح تتسلل من الشقوق، وألقيتها أمام من لا يخشى السماع.
في كل قصة، هناك صدى صمت لم يتجرأ أحد على النطق به...
خلف الجدار
في ذلك الحي الذي يبتلع القصص، كان البيت يشبه غيره من البيوت، لكن خلف أبوابه خبأ جدرانًا تئن وامرأة احرقها البركان في حادثة صمود أم.
لم يكن كأي بركان لقد كان بركان النفس جداره ظلم و نيرانه ألم وقهر ،لا صوت يعلو صوته ، بركان صمته صامت متوحش يلتهم قرابينه في صمت وغفلة...
كانت هناك، سجينة في غرفة بلا نور، بلا رحمة.
لم تكن مجرد زوجة...كانت أمًا مقيدة في قفص صنعه رجل لا يعرف إلا القسوة.
لكنها، رغم كل شيء، بقيت صامدة... من أجل الطفلة.
الطفلة التي رأت، لكن صمتت، التي وجدت نفسها شاهدة وحيدة على مذلة لا تشبه الطفولة.
ليالي الألم لا تعد، والعشيقة تعيش تحت ذات السقف، تغلق الأبواب على الحقيقة، وتفتحها للعار.
كانت عند باب الغرفة، تحدق في القفل الصدئ كأنه عين لا تنام.
لم تكن الغرفة جدرانًا فحسب، بل قبرًا مفتوحًا... لروحها.
في الداخل، كانت هناك هي، المرأة التي نزف ظلها حتى اختفى.
كانت الأبواب موصدة على خوفها، والأنوار مطفأة في عينيها.
كل يوم، يدخل... بلا كلمات، بلا عذر، بلا رحمة.
يمارس سلطته كأنها حفلة صامتة من الألم، يُمارَس فيها الصمت كطقس يومي.
عاقبها بالجوع، بالماء المغلي، وبالضرب، حتى أصبح الجدار صديقها الوحيد.
لكنها لم تصرخ.
كانت تحكي للجدران، وتُرسل صلواتها مع الرياح المتسللة من نافذتها الوحيدة.
في الغرفة الضيقة، حيث الجدران شاهدة على الألم، زارها طائر بلا ريش، عيناه تحملان زمنًا أثقل من جناحيه. جلس فوق كتفها وهمس:
– "أيتها الغريبة بين جدرانهم، لماذا تركتِ ريشكِ لهم؟"
نظرت إليه وابتسمت بمرارة:
– "ما تركته، انتزعوه… وأنا قاومت حتى آخر ريشة."
قال الطائر بصوت متهدج:
– "الريش ينبت من جديد، لكن القلب... هل ما زال ينبض؟"
أغمضت عينيها، وأجابت:
– "ينبض، لأن هناك طفلة تنتظرني خلف هذا الباب... لأجلها، سأظل واقفة، حتى لو كنت بلا جناحين."
أخفض الطائر رأسه وقال بحزن:
– "أنتِ الطير الذي يعلّم صمود ام منسحقة."
ضحكت وهي تمسح دمعة سقطت على الرمل تحت قدميها:
– "أتعلم؟ ليس العار أن يُنتف الريش... العار أن نُشبه وحوشهم."
همس الطائر، قبل أن يتلاشى بين الجدران:
– "أجنحة الطيور قد تُنتف لكن حق الطير فالطيران يظل له... كوني الطير، لا القفص."
الظلمة لا تُطفئ نور من عَرَفَ معناه، والصمت ليس قيدًا، بل صبر على صراخ لم يسمعه إلا الله.
كانت الطفلة تجلس على الأرض، تحدق في الفتحة الصغيرة أسفل باب الحجرة، تلك التي بالكاد تمرر منها الأم همسة من الحنان.
في تلك الليلة، زحفت الأم قرب الباب وهمست عبر الفتحة:
– "أنا هنا، يا بنتي... أنا معاكِ."
ردت الطفلة، تحاول أن تخفي رجفان صوتها: – "ماما، هما ليه بيعملوا كده؟"
سكتت الأم، ثم بكت بصمت، قبل أن تغني من خلف الخشب البارد:
"أنا هنا معكي لا تخافي.."
كانت الطفلة تحتضن الكلمات، كأنها تلوذ بأمها من خلال الفتحة الضيقة، قبل أن تسمع وقع أقدام الأب يقترب.
الادعاءات و التبريرات القاتلة
فتح الأب الباب بعنف، التفت نحو الطفلة، وصوته ممتلئ بالغضب الممزوج بالتحقير:
– "إنت السبب! إنت اللي خلّيتي طنط فلانة تزعل، عشان كده مامتك اتعاقبت! لو بس سكتّي وما دخلتيش في اللي مالكيش فيه... مكنتش هتشوفي مامتك ورا الباب ده."
تراجعت الطفلة للخلف، وهي تحدق فيه بعينين مذعورتين.
أكمل ببرود: – "طنط فلانة صاحبة البيت، وأنا بحافظ علينا... لو مش عاجبك، تعالي شوفي مامتك ورا الباب... عاجبك كده؟!"
ثم التفت نحو العشيقة، التي كانت تراقب من بعيد بابتسامة باردة: – "من النهارده، هتساعد طنط فلانة... وهتسمعي الكلام، فاهمة؟!"
التهام ظل الظلام للطفولة
مرت الأيام، ووجدت الطفلة نفسها تُجبر على تنظيف الأرضيات، غسل الصحون، وحتى مسح دماء والدتها التي كانت تُركل في الغرفة خلف الباب المغلق.
سرعان ما تغيرت حياتها من طفولة مليئة بالأحلام الصغيرة والضحكات العفوية إلى حياة مثقلة بالمسؤوليات التي لا تتناسب مع عمرها. كانت عيناها الطفوليتان تُظهران ألمًا دفينًا، بينما يديها الصغيرتان تنهمكان في العمل.
كانت تستيقظ قبل طلوع الشمس، مُجبرةً على مواجهة يوم مرهك يومًا بعد يوم، كانت ملامحها الطفولية تذوي، كأن طفولتها تُنتزع منها شيئًا فشيئًا.
العبء الأكبر لم يكن في جسدها المُنهك أو يديها المتشققتين. فقد كانت تُعاني الشعور القاسي بالخذلان. كانت تنظر إلى والدها من بعيد، في كل مرة يجلس فيها على كرسي الخيزران بعد يوم بلا مبالاة، وتُقلّب نفسها في تساؤلات لا تجد لها إجابة. "لماذا....؟ لماذا لا يراني طفلة بحاجة إلى الحنان والحماية معا؟ ألا يعلم أنني أحتاج لأمي؟". كانت مشاعرها تتأرجح بين الحزن والغضب، وبين الحنين والرغبة في المقاومة.
كانت الأيام تمر بطيئة كسحابة مثقلة بالهموم، ومع كل يوم جديد، كانت تُشاهد أنها قطعة صغيرة تمضي في عجلة حياة كبيرة، لكنها في ذات الوقت تعيش لا تُحس ولا تدرك أن هذه الحياة تسحقها ببطء. كانت ترى الفتيات في سنها يلعبن، ويطلقن ضحكات بريئة تزهر القلوب. لكنها لم تكن تضحك. كانت الضحكات فكرة غريبة بالنسبة لها، كأنها حُرمت من إدراك معناها منذ وقت طويل.
وفي لحظات الهدوء القليلة لم تجد للاحلام والخيال ظهور مات الكثير داخلها و عالمها بات ضيقًا جدًا. كانت تُحب النافذة الصغيرة في غرفتها لأنها تُطلّ على السماء. كلما نظرت إليها، تنفّست أملًا خفيفًا ربما تُغذيه خيالاتها المتخفية اليوم بأنها ستجد يومًا مفتاح الخلاص. لكنها في ذات الوقت كانت تُدرك أن هذه النافذة المسكينة لا تكفي لتفتح لها أبواب الحياة.
لم تكن طفلة لها طفولة، بل روحٌ صغيرة تبحث عن اعترافٍ حقها فالعيش والسلامة وبصيص نور يخرجها من الظلام.
كانت الفتحة الصغيرة هي النافذة الوحيدة لأمها، التي كانت لا تزال تغني،و تهمس لها عبرها في الليالي المظلمة:
"أنا هنا... لا تصدقي الأكاذيب
أنا لم أخذلكِ... وأنا أحبكِ، ومعك حتى من خلف الأبواب."
في كل مرة نظرت فيها الطفلة للفتحة، كان الجدار يهمس لها بأغاني التهويد من أمها في مهد طفولتها ، حتى بعدما انطفأ الصوت.
تتردد الكلمات:
يا وردة في بستاني، يا حلمي البعيد
أنتِ ضيّ القمر، في ليلي المديد
عيونكِ سحر الشوق، وابتسامتكِ نور
في حضني أضمكِ، كأني أضم الحور
الحب في قلبي لكِ
أهديكِ الأمان، في كل خطوة تَعَبرين
يا صغيرتي
كوني كما تشائين، أنا هنا دوماً بجواركِ لأجلك
كالأمطار ترسمين الفرح
كل ضحكة منكِ، تُشبه الزهور
أحلامكِ تَكبر، كالأشجار في عُمق الارض
وبقلبي تنمو، أزهارٌ لا تُحصى ولا تُعد
الحب، في قلبي لكِ
أهديكِ الأمان، في كل خطوة تَعَبرين
يا صغيرتي
كوني كما تشائين، أنا هنا دوماً بجواركِ لأجلك
وعندما تواجهين، عواصف الزمان
تذكري أني هنا، يدكِ في يدي،
أنتِ نجمٌ في سمائي، مضيءٌ في كل حين
الحب الذي بيننا، لا يُحَدّ ولا يُنسى
الحب، في قلبي لكِ
أهديكِ الأمان، في كل خطوة تَعَبرين
يا صغيرتي
كوني كما تشائين، أنا هنا دوماً بجواركِ لأجلك
يا زهرة في بستاني، يا فرحتي الدائمة
أحبكِ بلا حدود، في كل يوم احبك ،
أنا لكِ، في كل لحظة أعيشها
وفي ليلة شديدة البرودة، كانت تغسل الصحون بيدين مرتجفتين، بينما العشيقة تراقبها من بعيد، وعيناها بلا ملامح.
وقفت الطفلة أمام الفتحة، وهمست وكأنها تحادث الظل:
– "أنا هنا... ماما."
لكن لا إجابة.
ارتعشت شفتيها وهي تردد، كما اعتادت أن تسمعها:
– "أنا هنا... حبيبتي."
ثم ابتسمت ابتسامة واهنة، ودمعة تنزلق على خدها، وكأن الأغنية باتت الوطن الوحيد المتبقي لها، في بيت لا يسكنه إلا الصمت والبرد..
همس الجدار
كانت هناك...
"هل تسمعني؟" همست للجدار.
ورد الجدار: "الصمت ثقيل وصوته اعلى من ضجيج صراخ اهل الجحيم فالعالم الاخر."
كانت الطفلة خلف الحائط الآخر، تنام على وقع أصوات لا يجب أن تعرفها.
وفي الليل، طائر أسود زار المرأة، وقال:
– "ماذا ستفعلين؟"
– "سأنتظر... لأجلها فقط."
مرت الليالي...
ولم يعد هناك صدى لصوتها، ولم يعد الطائر، لكن الجدار... ظل يحكي الحكاية.
الطائر المجروح
في الغرفة المظلمة، وقفت، وقد غاصت قدماها في الرمل البارد.
المسامير على الباب ابتسمت لها كوحش جائع.
وفوق كتفها، حط طائر بلا ريش ولا جسد وهمس مشاركها الالم:
– "لم أخلق خانعة، لكنهم نتفوا ريشي."
ابتسمت بألم:
– "لست معيوبة... ولا مذنبة،اضأت اصابعي شموع وتحملت ما لا يحتمل لكنه لرفضي خدمة عشيقته وقبولها في بيتي صنع بي ما صنع ويصنع..."
علم الطائر كما علمت هي، أن الطيور لا تقع دومًا مع أشباهها.
فأحيانًا، يسقط الطير في شرك من يشبه ظلّه، لا قلبه.
وأحيانًا، يضطر الطائر للعيش في أقفاص صنعها بشر بنوايا ميتة.
لكن الطائر الذي يعرف معدنه، حتى بلا ريش، يعود ذات يوم... ليعلو فوق الأقفاص ويغني فالروح لا يملكها بشر.
الطيران فوق بركان صامت
قال الهدهد وهو ينظر للسماء:
– "الطيران سبيل نجاة..."
لكنها قاطعته:
– "لا... الطيران من القفص وترك طير صغير ألم، لا خروج من بركان جداره ظلم وناره إلم وقهر... مين اللي قال ان الاطفال ربط للاباء ، الاطفال قيد للامهات."
تنهدت وأكملت:
– "الاختيار ليس في الطيران... بل في انتظار الموت او عبور وادي الموت داخل بركان لا يهدأ ولا ينام ،صامت متوحش، وهل من سبيل؟! ، اغلقت الطرق الا تنظر!."
ابتسم الطائر بعين دامعة:
– "حتى لو النار تلتهم جناحيك... طِر.."
وقبل شروق الشمس همس:
– "أنا هنا....هيا بنا"
غادرت الغرفة بروحها، لكنها تركت الم يتخفي في صرخة لم تمت، بل ظلت تنبض في الصمت داخل الجدران لتحكي حكاية من تمسكت ولم ترخى، وصمدت ولم تهرب، وعانت ولم تلفظ كلمة.
وانكسر الصمت...
في الليلة الأخيرة ظهر نقشٌ على الجدار القديم:
"الصمت ليس هزيمة، بل صرخة تنتظر من يسمع."
بكت الأرض مع الريح، وزحف الهدهد عبر السماء، يحكي لكل من يجرؤ أن يسمع: – "الطير الذي طار فوق بركان ألالم صامت لم يمت... لكنه عاد بجناحين من رماد وحنجرة من نار تسمعها السماء."
الصمت ليس بقضبان إبدية والطيران ليس رفاهية.
فالأقفاص قد تُكسر، حتى لو بظل جناح من رماد والسماء تسمع لحنجرة من نار تنحرق و لا تطفئ.
ليست كل الأقفاص من حديد، وليست كل الطيور ضعيفة.
الطير الذي قاوم الظلال، سيعلو يومًا... حتى لو نتفت الأيام جناحيه... روحه ستعود للعلو.