حكايات مع الجدة | وصايا ست الدار
البيت روح وست
من قلب الستّ، تضحك الدار أو تبكي...البيوت أقدام، والنساء أقدام... غنى أو فقر، ولقمة معجونة، صحة أو مرض.
بيتانفي قديم الزمان، كان هناك قريتان متجاورتان، واحدة تُدعى أرض الدموع والأخرى تُدعى أرض الكرامة.
في أرض الدموع، البيوت تتشقق بسرعة، الطين يتحول لغبار، والأبواب تصدر صريرًا كأنها تبكي. كان السكان يشتكون دائمًا من البرد في الشتاء، والحر في الصيف، ومن الوحدة حتى وسط الزحام.
أما في أرض الكرامة، البيوت دافئة حتى في أقسى الليالي، الجدران مشقّرة، والزهور في النوافذ لا تذبل أبدًا، والضحكات تتردد بين الأزقة كأنها أغانٍ قديمة.
الناس كانوا يتساءلون:
"لماذا بيوت أرض الدموع تموت، وبيوت أرض الكرامة تعيش؟"
الجدّات العارفات في القريتين كانوا يعرفون السر.
السر كان في ست البيت لكل بيت ، حال البيت من حال ست البيت.
في أرض الدموع، كانت النساء مقهورات، يُجبرن على الخدمة بلا حب، يُمنعن من الكلمة، تُدفن كرامتهن مع أول صرخة غضب من رجل.
أما في أرض الكرامة، النساء سيدات بيوتهن، يُحترمن، يُقدّرن، يُتركن ليزرعن أرواحهن في الجدران، يُطبخن الحب في القدور قبل الطعام، ويرسمن الأمل على الحيطان قبل الألوان.
كانوا يقولون:
"الأرض تشرب من دموع النساء، فإن كانت الدموع دموع قهر، صار البيت مقبرة. وإن كانت دموع فرح أو تعب كريم، صار البيت جنّة."
وفي يوم من الأيام، جاءت امرأة من أرض الدموع، اسمها ورد، تعِبت من القهر والجدران الميتة، وقررت تهرب إلى أرض الكرامة.
لكن حين دخلت بيتًا جديدًا هناك، لم تستطع أن تزرع فيه روحها... ظلت مكسورة، مهزومة، فظل البيت باردًا كأن رياح أرض الدموع تلاحقها.
وحين ذهبت إلى حكيمة من القرية، همست لها العجوز:
"لا يكفي أن تتركي الأرض، عليكِ أن تستردّي كرامتكِ، فالبيت لا يأخذ إلا من روح ستّه. البيت يعيش أو يموت على قدّ قلبها... براح القلوب مش الزمن والارض."
ومن يومها، ورد قررت تصون كرامتها، وتعيد لروحها قوتها، ومع كل يوم تستردّ فيه نفسها، البيت يزهر، يضحك، وتنبت الحياة من بين الحجارة.
ومن يومها، صار يُقال:
"البيوت أرواح... والنساء أقدام. تمشي بكرامة تُنبت، تمشي مقهورة تُمِيت."
---
بدأت ورد تتعلّم من الحكيمة، مش بس عن البيوت، لكن عن "نَفَس الروح".
قالت لها الحكيمة:
"يا بنتي، اللقمة زي البيت... تاخد من نفس اللي صنّعها. تطبخي بحُب، تشبّع حتى لو شوية مية وملح، وتطبخي بوجع، اللقمة تبقى مُرّة حتى لو مليانة سمن ولحمة."
ورد لأول مرة رفعت راسها، وطبخت لنفسها، مش للناس، مش خوفًا ولا خدمة، لكن عشان تحب نفسها وتكرمها.
حطت على الطاولة شوية عيش ناشف وزيت زيتون، وبُصلة، لكن لما أكلت، حسّت الدفء بيدخل جوا قلبها، وكأنها أول مرة تتذوق الأمان.
في نفس الليلة، البيت ابتسم.
فعلاً، جدرانه اللي كانت باردة، سخنت، والهواء بقى ريحته مختلفة.
الزهور في الشباك اللي كانت بتموت، صحيت، واللون رجع لورقها.
وفي اليوم اللي بعده، لما جارتها دخلت عندها، قالت بدهشة:
"يا ورد، بيتك رجع فيه الدفء، كأنك كنتي مشعلاه بنار حُب."
ضحكت ورد وقالت:
"مش الدفء بس...دي الحياة رجعت."
ومن وقتها، ورد بقت تحكي للبنات:
"إوعوا تفتكروا البيت بيتبني بالطوب بس... الجدران رجل والخياة فالجدران ست... حتى ان ماتت يظل البيت عليش او ميت من روح ست البيت...البيت يتبني بنَفَس الستّ. البيت يا يعيش يا يموت ... واللقمة اللي بتتاكل فيه يا تشبع وتغني ياتمرض وتجوع، وعلى قدّ كرامة اللي واقفة فيه شموخه."
وفي القرية، اتغير الحال...
البنات بقى ليهم حياة في بيوتهم، الستات بقوا يطبخوا مش بس بالأيد، لكن بالروح... والبيوت، لأول مرة، بقيت تعيش وتتنفس.
ومن يومها، كل ست في القريتين تقول لعيالها:
"افتكروا، البيت لو ستّه انقهرت، يبقى مقبرة... ولو كُرّمت، يبقى جنّة."
لكن ورد عرفت كمان إن البيت مش لوحده اللي بيتنفس بنَفَس الستّ...
البيت، وجوزها، وعيالها، وحتى عتبة الدار، كلهم بيشربوا من نَفسها.
لو قلبها مطحون، الزوج يتبهدل، رزقه يتعرقل، ملامحه تتعب، بدل ما وشّه يبقى منور يبقى مطفي.
ولو قلبها دافي، حتى لو الدنيا قاسية، تلاقي زوجها بيلمع، كأن الستر لفّه...
تلاقي العيال، صحتهم في العالي، عقلهم رايق، نفسهم مطمّنة، وجلابيتهم بيضا ومكوية حتى لو الدنيا بسيطة.
الحب اللي في قلبها بينعكس على البيت، وعلى نظافة الأرض، وعلى ضحكة العيال، وعلى نجاح جوزها... ومقدار علمها وعلامها وفهمها ووعيها ينمو نجاحهم
لكن مش كل ستّ زي التانية.
في ستات، لو انكسروا، بيموتوا قبل وقتهم... وفي ستات، حتى لو اتوجعوا، يفضلوا يعمروا في الخراب، يزرعوا زهر في أرض مشققة... وفي اللي الخراب والفقر في طي خطاها.
وراحت الحكيمة تهمس لها:
"الستّ، لو قلبها حي، تعمّر بيت مهدود... ولو قلبها مكسور، يتهدّ القصر اللي فوق الجبل."
وأكملت:
"حتى الدبلة اللي في ايد جوزها، تشرب من نفس البيت، تلمع لو العِشرة دافيه، وتصدي لو القلب بعيد."
ورد فضلت تتأمل في الكلام، وافتكرت الأيام اللي كانت تشوف فيها ناس ببيوت شكلها حلو، لكن ريحتها وجدرانها باردة، وناس ببيوت بسيطة، لكن فيها دفء الجنة.
---
وفي يوم، لمّا ورد بقت عجوزة، لقت حفيدتها الصغيرة بتبص للبيت وتسألها:
"ليه بيتك دافي كده يا تيته، حتى في عزّ البرد؟"
ابتسمت ورد وقالت لها:
"لأن البيت مش طين ولا حيطان، كل عتبة قدم، وكل ستّ قدم، البيت حي من حياة قلب اللي ساكنة فيه... لو قلبها مكسور، البيت يتشقّق... ولو قلبها نابض حب ، البيت يبقى حصن وسَتر."
وهمست في ودنها:
"وصايا ست الدار"
قالت الجدة لحفيدتها، وهي قاعدة على عتبة البيت، الشمس تودع اليوم، والريح بتعدّي كأنها سامعة الكلام:
يا بنتي...
البيوت مش بس طوب وأبواب. البيوت بتتلبس، زي الروح، زي الضلّ.
كل بيت جواه ستّه...
لو اتحبّت، يبقى جنة، ولو انقهرت، يبقى مقبرة.
يا بنتي،
الستّ روح الدار ودفاها،
لو اتحبّت، تغني الحيطان، وتخضرّ السكة،
ولو انقهرت، ينشف الغصن، ويتكسّر الضلّ، وتنهار العتبة.
الستّ، شمعة البيت،
تطفي لو انكسرت، وتنور لو اتحبت.
البيت بيت ستّ البيت،
لو انقهرت، خرب، ولو اتحبت، عمر.
يا بنتي،
الستّ، لو قامت، البيت قام معاها،
ولو وقع قلبها، وقع سقفه فوق اللي فيه.
كرامة الستّ، ستر البيت.
ضحكتها تضحك الحيطان، ووجعها يخلي الدار ساكتة ومطفية.
يا بنتي،
اللقمة اللي تتعجن بحب، تشبع وتغني،
واللي تخرج من قلب موجوع، تجيب الشوك في الجوف.
اللقمة رزق، ومن رزقها رزق،
يا تداوي، يا تعور.
الستّ، جنة لو انحبّت، وصحراء لو انقهرت.
لمعة الدبلة من دفء العِشرة،
والبيت عمره من قلب الستّ.
جنة البيت في ضلّ قلبها،
إن تضلّل يزهر، وإن تحرق، ينشف.
يا بنتي...
البيت، يا جنة، يا مقبرة... من قلب ستّه.
يا بنتي، الراجل اللي ما يصونكيش، بيته عمره ما يحتويكي، لأن البيت من غير حُب وصون، يبقى جدران باردة ومطرح للوجع... الرجل اللي أرضه صخر وشوك وحسك او مالحة ... أرض ما تنبت فيها زرعة حب وتعلى... نفس الرجل هو أرض وجدران البيت... وتعمل ايه الروح في جسد معطوب...
اصوني نفسكِ باختيارك صح من البداية، صوني كرامتك قبل أي حاجة، لأن الستّ لو حافظت على نفسها، بتحافظ على بيتها، وبتحافظ على عيالها، وبيضحك لها الزمن حتى لو ضاق.
البيت مش بس حيطان وسقف، البيت قلب دافي، ولو قلب الستّ إن دبل، البيت كله ينشف معاه.
ما ترضيش تبقي في دار قلبها قاسي عليكي، خليكي دايمًا في دار تصونكِ وتصونيها.
ومن يومها، فضلت الحفيدة تحفظ الكلام ده، وتردده:
"الرجل اللي ما يصونكيش بيته مايحتويكيش، اصوني نفسكِ، تصوني بيتكِ."