صرخات صمت | حكايات البذور
نحن لا نتأثر بقصص الآخرين عبثًا، فهناك دائمًا رابط خفي بيننا وبين تلك الحكايات. نحن نرى أنفسنا فيهم أحيانًا، فيتردد الصدى داخلنا كأن الوجع مشترك، وأحيانًا ننفر منهم لأن قصصهم تصفعنا بمبادئ لا تشبهنا. بين التلاقي والتنافر تولد مشاعرنا... وهناك، في مكان بعيد داخل كل إنسان، صرخة لم تُسمع بعد.
كانت تمشي بين الأزقة الرمادية، الأرض تحت قدميها مشققة، تعكس ندوبًا تشبه ما بداخلها. الحجارة الباردة تُعيد صدى خطواتها، لكنها الوحيدة التي تسمع صرخاتها المكتومة.
في الأعلى، الغيوم ثقيلة لكنها بخيلة، لا تمطر، كأنها تنتظرها لتنهار أولاً. وبين جدران الأزقة، همسات غير مرئية تتكرر: "لن تصمدي… الجميع يسقط هنا."
لكنها تمضي، تحمل حقيبة من جلد مهترئ، ثقيلة كأنها تحمل العالم كله. داخلها، أحجار منقوش عليها: "خيانة"، "خوف"، "ذنب لم ترتكبه"، "قهر"، "ألم".
كلما فكرت أن تتخلص من حجر، تلتصق به يدها وكأن الأرض نفسها تأبى أن تتركها تتحرر.
ورغم الثقل، عيناها تلاحقان خيط ضوء بعيد، ضوء خافت لكنه عنيد… مثلها.
بينما تسير، الضباب يزداد كثافة. الحيطان تتحول تدريجياً إلى وجوه بلا ملامح، تهمس: "أنتِ شيطان… أنتِ عار…"
في الزاوية، مرآة مكسورة، رأت فيها نفسها كطفلة صغيرة، عيناها الواسعتان تطلبان الرحمة، يداها مقيدتان بخيوط لا ترى نهايتها. الطفلة تهمس: "… ما زلنا هنا."
الريح تعصف، الظلال السوداء تتراقص فوق الأسطح، والهمسات تشتد: "لن تصمدي… الجميع يسقط هنا."
لكنها مشت، رغم أن يدها اليمنى كانت ترتجف وهي تشد على الحقيبة.
في نهاية الزقاق، ساحة دائرية، طاولة طويلة يجلس حولها ثلاثة رجال بأقنعة.
الأول، قناع الأمانة، عيناه متوهجتان بلون الدم. الثاني، قناع الصدق، لكنه مكبّل بسلاسل غير مرئية. الثالث، قناع المحبة، لكنه وجه فارغ بلا ملامح.
قال الأول بنبرة تهتز بين السخرية والرحمة: "أردنا أن نصنعكِ على صورتنا… لكنكِ تمردتِ."
فكرت أن تهرب، لكن الحقيبة على ظهرها تحولت فجأة إلى أجنحة سوداء ممزقة. الطفلة في المرآة كانت قد بدأت تفك آخر خيوطها، تهمس: "آن الأوان."
وقفت هناك، وسط الدائرة، وشعرت بثقل العالم على قدميها، لكن دمعة واحدة سقطت، ارتطمت بالأرض وتحولت إلى بذرة صغيرة، تنبض بين الشقوق.
الرجال الثلاثة صمتوا.
الهواء من حولها بدأ يحمل رائحة الأرض، كأن المطر في طريقه أخيرًا.
الظلال السوداء تراقب من الأعلى، تهمس: "لن تنجي… هنا لا ينجو أحد."
لكنها نظرت إلى البذرة التي بدأت تمد جذورًا خفية بين الشقوق، رغم الخراب، رغم الغبار. الطفلة في المرآة رفعت يدها، حررت الخيط الأخير وقالت: "أنتِ حرة."
نظرت إلى الحقيبة التي كانت تلتصق بظهرها، أدركت أخيرًا أنها لم تكن تحمل الحقيبة… بل الحقيبة هي من كانت تحملها طوال الوقت.
تركتها تسقط. عندما ارتطمت الحقيبة بالأرض، تفتتت الحجارة، وتناثرت الكلمات المنقوشة كأنها تحررت معها.
في لحظة، الأرض لم تعد صلبة، بل تربة خصبة تنتظر. جذورها نبتت من قدميها، تشققت روحها القديمة، ومن بين الشقوق خرجت أغصان خضراء، ارتفعت إلى السماء.
الرجال الثلاثة تراجعوا، الظلال بدأت تتفتت، الحيطان تهتز، والسماء تنفجر بخيوط ضوء.
ارتفعت شجرة عظيمة من قلب الساحة، كانت هي الجذع، وأغصانها تمزق السماء الرمادية.
الظلال التي ملأت السماء صارت غبارًا، والعيون الحمراء خلف الأقنعة خفتت.
في لحظة خاطفة، اختفت المدينة القديمة، وتحولت الأزقة إلى غابة.
غابة ليست كأي غابة، بل غابة من القصص الحية.
كل شجرة فيها، كل ورقة، كل جذر… صرخة صمت قديمة وجدت طريقها للنور.
الهدهد كان يحلق هناك، يراقب المشهد من السماء الجديدة، يرى كيف أن كل بذرة دفنتها الأرض قد نبتت رغمًا عن الظلام، رغم قسوة السنين.
سافرت أصوات الأشجار في الريح: "… لم يُنصفونا… لكننا ما زلنا هنا."
المدينة ماتت، لكن الغابة تنفست.
كل بذرة حملت صرختها في صمت، وها هي الآن تُعلن عن وجودها في جذور وأوراق وأغصان تصل إلى الأعالي.
الهدهد رأى أشجارًا نبتت من:
خيانة، ظلم، قهر لم ينته، خوف بلا ملامح.
لكنها رغم ذلك، نبتت.
في قلب الغابة، سمع همساتهن: "نحن هنا… لم نسقط… وسنظل هنا."
كانت صرخات الصمت قد تحولت أخيرًا إلى غابة من القصص، غابة من البذور التي لم يقتلها الخراب.
الهدهد ابتسم بعينيه السوداوين، وطار نحو ضوء بعيد في الأفق….