ارض بوابة الجحيم | سجلات القدر
في أرض بوابة الجحيم... في مكانٍ ما، خلف أبواب لا تُفتح، تتنفس عوالم لم يرها أحد... عوالم كُتبت بقوانين غير مكتملة، حيث الحقيقة معكوسة، والعدالة سيف يقطع الأبرياء، والأمل ليس سوى كذبة متكررة.
هناك، لا يولد أحد بريئًا، ولا يموت أحد بسلام. كل شيء مُحكم، لكن لا شيء عادل. بعضهم يقبل المصير، وبعضهم يبحث عن مخرج، لكن كل من يطرق الباب، يدرك الحقيقة ذاتها...
هذه الأرض ليست لعابر.
أرض أخوين، أحدهما رفع حجراً، والآخر سقط مضرجًا بدمه. لكن في هذه الأرض، لا يوجد قاتل أو مقتول... هنا، الجميع يحمل الحجر، والجميع يسقط في النهاية.
لا عدل. لا قضاء. لا خلاص. فقط أرض لا تعترف بالبراءة، وعالمٌ يطالبك بأن تختار: أن تقتل، أو أن تُقتل. لا أحد ينجو كاملًا، فكل من يمر من هنا يترك جزءًا منه خلفه، يذوب في هذا الجحيم، حتى يصبح ظلاً آخر يضاف إلى جدرانه المتهالكة.
لكن حتى لو اخترت النجاة، ستُدرك الحقيقة في النهاية...
لا أحد يخرج بكامله، لأن الجحيم لا يُفرغ مقابرَه... فهنا، أبناء الحياة سقطوا في المنتصف، أرواحهم مقيدة بقيود الموت. وهنا، موتى أحياء يتغذون على الألم، سامّون كسم زعاف، لا يمنحهم البقاء إلا قوةً لتدمير كل شيء حولهم. وهناك، موتى في هيئة أحياء، يرتدون جسد الرجاء، لكن الموت قد تملكهم حتى لم يعد بينهم وبينه فرق.
وفي هذه الأرض، الأمل ليس إلا بصيص نجم بعيد... يحتضر.
__
سجلات القدر"كان اسمه مكتوبًا ذات يوم، لكنه الآن مجرد ظل بلا أثر..."
في عالم لا تُكتب فيه القوانين بالحبر، بل تُنقش في نسيج الزمن، يولد كل إنسان وحقوقه مختومة في سجلات القدر. هذه السجلات لا يراها أحد، لكنها تحدد كل شيء—من حقه في الحرية، إلى مصيره في الموت. أما من يُمحى اسمه من السجلات، فمصيره النسيان، وكأنه لم يوجد قط.
جلس "نَاش" على حافة السطح، ينظر إلى مدينة "أركِس"، حيث تلمع الأبراج الزجاجية تحت ضوء شمس لم تغب منذ قرون. كان كل شيء فيها منظّمًا، متوازنًا، بلا خلل. لكن داخل رأسه، كان هناك سؤال لا يتوقف عن الطنين: "لماذا لم أعد أملك شيئًا؟"
في الأيام الأخيرة، بدأ يشعر وكأن شيئًا يسلبه حقوقه، شيئًا لا يمكن رؤيته. أولًا، لم يُسمح له بدخول السوق، رغم أنه كان يملك رخصة بيع. ثم، عندما حاول استخدام مفتاح منزله، لم يعمل، وكأن الباب لم يعد يتعرّف عليه. وعندما اشتكى، نظر إليه الحراس كما لو كان هواءً.
في البداية، ظن أن الأمر خطأ بيروقراطيًا. لكنه عندما ذهب إلى "دار القدر"، حيث تُحفَظ سجلات الجميع، وجد الصفحة الخاصة به... فارغة.
كان ذلك مستحيلًا. لا يمكن تغيير سجلات القدر إلا بواسطة "ناسخي الظلال"، كائنات لا يراها أحد، لكن يُشاع أنها تسرق الحقوق سرًا، محوّلة أصحابها إلى أشخاص بلا أثر.
أراد أن يصرخ في وجوههم: "أنا كنت موجودًا! كنت أملك أشياء، كنت أعيش هنا!" لكنه أدرك أن صوته لن يغير شيئًا. فلا أحد يعترف بوجود من مُحيت أسماؤهم.
حينها، قرر البحث عن "ناسخي الظلال"، الكائنات التي يقال إنها تتحرك بين طبقات الزمن، تكتب وتحذف كما يحلو لها. وإذا كان هناك من يستطيع استعادة حقه، فهو هم.
قادته رحلته إلى أطراف المدينة، حيث لا أحد يجرؤ على الذهاب. في قبو قديم، وجد رجلاً مسنًا يرتدي عباءة رمادية، يحدق فيه بعينين مليئتين بالمعرفة والخوف.
"أنت تبحث عن ناسخي الظلال، أليس كذلك؟"
"نعم. لقد محوا اسمي. أريد استعادته."
ضحك العجوز بمرارة. "كل من يبحث عنهم يختفي، يا بني. البعض يقول إنهم كذبة، والبعض يقول إنهم آلهة. لكن الحقيقة؟ هم مجرد بشر... كانوا مثلنا، لكنهم سرقوا سرّ الكتابة في نسيج القدر."
أعطاه العجوز شيئًا لم يكن يتوقعه—ريشة سوداء.
"هذه الريشة مأخوذة من دفتر أحد الناسخين. بها تستطيع أن تكتب نفسك من جديد... لكن احذر، فالقدر لا يُغير بلا ثمن."
وقف "ناش" أمام المرآة في غرفة مهجورة، يمسك الريشة بأصابع مرتجفة. لم يكن يعرف كيف يكتب اسمه من جديد، لكنه تذكر شيئًا بسيطًا، شيئًا يملكه حتى بعد أن سلبوه كل شيء: ذاكرته.
غمس الريشة في نقطة من دمه، وكتب على الحائط: "أنا ناش. كنت موجودًا. سأظل موجودًا."
شعر بتموج في الهواء من حوله، وكأن العالم كله اهتز للحظة. ثم... عاد المفتاح لجيبه، وعاد صوته ليُسمع. خرج إلى الشارع، ونظر الناس إليه—لأول مرة منذ أيام، رأوه.
لكنه شعر بشيء آخر أيضًا. داخل عقله، كان هناك همس جديد، صوت لم يكن موجودًا من قبل، صوت لم يكن له.
"لقد كتبت اسمك من جديد... لكن هل تظن أنك الوحيد الذي يملك هذه الريشة؟"
وفي مكان ما في الظلال، كان أحدهم يبتسم، ويمحو اسمه مرة أخرى.
النهاية... أو البداية؟
لقد كانت الريشة بداية رحلة وصراع لا معالم له...