شرارة الفوضى
في زقاق ضيق من حارة قديمة، كانت المنازل المتلاصقة تبدو وكأنها تستند إلى بعضها البعض لتفادي السقوط. كابلات الكهرباء تتدلى من الأعلى بشكل خطير، ومواد قابلة للاشتعال مبعثرة في كل مكان: أكوام من الورق المقوى، قطع خشب متآكلة، وعلب زيت فارغة.
كان الأطفال يحتفلون بصخب غير مسبوق. أصوات الألعاب النارية والصواريخ تتعالى في الأرجاء، وكأنها طلقات مدفعية في ميدان معركة. عيونهم تلمع بالمرح المشوب بالشر، وهم ينظرون بين الحين والآخر نحو منزل الجارة اسمها "ماري"، امرأة خمسينية تعيش وحدها بعد وفاة زوجها. كانت معروفة بطيبتها، لكنها اليوم وقفت عند عتبة منزلها بعينين محمرتين من الغضب.
"كفى هذا الضجيج! أنتم تعرضون حياتكم وحياة الجميع للخطر!" صرخت ماري، لكن صوتها ضاع وسط الانفجارات المتتالية.
الأطفال لم يكترثوا، بل زادوا من صخبهم. أحدهم أطلق صاروخًا كبيرًا نحو السماء، فارتطم بأحد الأسلاك المتدلية وكاد يشعل حريقًا.
من بعيد، جلس آباؤهم في دائرة متكاسلة عند زقاق الحارة. كانوا يشربون الشاي ويدخنون السجائر، وأعينهم مليئة بالاستفزاز المتعمد. "حسن"، والد أحد الأطفال، كان يجلس بينهم بملامح متعجرفة. كان فقيرًا إلى حد البؤس قبل سنوات قليلة، يبيع الخضروات بعربة خشبية متهالكة. لكنه اليوم يرتدي ملابس جديدة ولديه دراجة نارية براقة، وكأنما أصبح فجأة أحد أثرياء الحي.
زوجته "سعاد" كانت تراقب من بعيد. ماضيها كان معروفًا في الحارة، فقد كانت صديقة حسن قبل أن يُجبر أهلها على تزويجها منه بعد حادثة مشبوهة. كانت تحمل ملامح الغضب المكبوت وهي ترى الأطفال يعبثون بالألعاب الخطرة.
"حسن، قل لابنك أن يكف عن هذا العبث قبل أن تحدث كارثة!" صاحت ماري مرة أخرى.
حسن تجاهلها تمامًا وأخذ رشفة من شايه. "هؤلاء الأطفال أحرار يلعبون. إن لم يعجبك، فادخلي بيتك وأغلقي الباب."
فجأة، انفجر صاروخ آخر وسقط على سطح أحد الأكواخ القريبة. اشتعلت النيران بسرعة بسبب المواد القابلة للاشتعال، وبدأت الفوضى تعم المكان. صرخ الجميع وهرعوا لإطفاء الحريق بوسائل بدائية.
ماري كانت أول من أحضر دلو ماء من منزلها، بينما كان الأطفال يركضون في كل اتجاه بحثًا عن ملجأ. حتى حسن، الذي بدا واثقًا منذ لحظات، أصابه الذعر وبدأ بالصراخ على ابنه.
بعد دقائق من الجهد المحموم، أُخمدت النيران، لكن الأضرار كانت واضحة. الكوخ احترق جزئيًا، وكابلات الكهرباء تهدلت أكثر من قبل.
وقفت ماري وسط الزقاق، أنفاسها متقطعة وعينيها تقدحان شررًا. "هذا ما كنتم تنتظرونه؟ كارثة لتفهموا؟"
لم يجرؤ أحد على الرد. الأطفال وقفوا صامتين، وآباؤهم يبدون وكأنهم فقدوا أي شعور بالسلطة أو التحدي.
في تلك اللحظة، كانت الحارة بأكملها تدرك أن هذا الاحتفال الصاخب لم يكن مجرد لهو أطفال، بل انعكاس لصراعات داخلية عميقة بين الماضي والحاضر، وبين التفاخر الزائف والخوف الحقيقي من الانهيار الذي قد يأتي في أي لحظة.