حكايات مع الجدة | بنات الماء والنار
في مساء خريفي ساكن، وبين رشفات الشاي وهمسات الحكايات، كانت الجدة تغزل وشاح الشتاء القادم وتنسج معه خيوط الأساطير…
يُقال في الأساطير:
"عندما تُحرم المرأة من الحب، تُقتل روحها قبل جسدها."
"يا صغيرتي… ليس كل مَن يطهو يُطعم، وليس كل مَن يعطي يُحب."
"بنات الماء والنار"
من أساطير أرض الغيم الأسود، حيث كانت الأرواح تُقايض بالنوايا، والماء لا يبلّ بل يحرق.
ماء أرض البركان، ماءٌ من جوف الأرض، لا يروي العطش بل يُشعل الحكايات نارًا لا تُطفأ.
في قديم الزمان، في وادٍ تحرسه الجبال وتلعنه الرياح، عاش رجل يُدعى "أرهان"، كان من نسل سحرة الظل. لم يعرف الرحمة، وكان يكره كل ما ينبض بحب أو نور. وقد خُصّ بلعنة لم يُخبر بها أحد: كل شيء يُحَبّ أمامه، يتحوّل إلى رماد.
ذات مساء، جلست الكبرى "ليارا" على صخرة قرب المطبخ الحجري، تهمس بحب لطير صغير وجدته بين الأشجار، جائعًا يرتجف. وقالت:
"هذا الطير يُشبه قلبي، ضعيف لكنه يُغني، سيكبر إن رعيتُه."
سمعها أرهان، ولم يُعلّق.
في اليوم التالي، لم يُسمع للطير صوت، ووجدته محترق الريش، جامد العينين.
لم تبكِ ليارا، بل رفعت عينيها للسماء وقالت بصوت خافت في قلبها:
"هو لا يقتل الطير، بل يقتل ما نحبه."
سمعها رغم أنها لم تفتح فاهها ومنذ تلك اللحظة، بدأ أرهان يراها كعدو.
كانت ليارا تُعينه في كل شيء: تُعدّ الطعام، تنظف، وتكتم الأسرار.
لكنها كانت تعرف… وكان هذا مرعبًا بالنسبة له أكثر من أي سحر.
أما الأخرى، "نيرا"، فكانت مدللة، لا تعلم من الحياة شيئًا.
كان يخشاها دون أن يحبها. ليس لأنها قوية، بل لأنها حية، والحياةُ لِبناتِ النور جريمةٌ في عُرف الظلال.
في يوم من الأيام، وأثناء إعداد الطعام في مطبخ جانبي يقع تحت شجرة النار القديمة، سقطت قطرات ماء من الإناء الكبير على الأرض… لكنها لم تبقَ ماء.
تحوّلت إلى شرر مشتعل، فاندفعت نحو الابنتين كأنها لهب نار.
ليارا احترقت في ذراعها فقط، لكن اللهب انطفأ بسرعة، وكأن جسدها لفظه.
أما نيرا، فاشتعل جزء من ثوبها، واصيبت إصابة بالغة.
حين أفاقت نيرا، نظرت إلى ذراعها المتفحم، ثم إليه الذي لم يتحرك لإنقاذها، وسألت:
"أكان هذا بفعل السحر؟ أم فعل قلبك؟"
و أدركت ما تعرفه…
أنه لا يغضب كما يغضب البشر، بل يحرق كما تحرق اللعنة.
ليارا بدأت تجمع شتاتها، نيرا، استعادت قوتها ببطء.
وفي الليلة التي قررت فيها إدراك الواقع وتمييز ما يحدث:
"لم يقتلهما الألم، بل ارتعب من أن يرى وجهه ينعكس في عيون مَن عرفنه حقًا... حتى الالم يخشى مواجهه انعكاسه في وجه النقي."
ومنذ ذلك اليوم، ادراكن، إحداهن تحمل النار التي لا تحرق النقيّ،
والأخرى تحمل الماء الذي يُفصح عن الأسرار.
"من تعرف، لا يمكن أن تُستَغل."، ويُقال في الأساطير:
"احذر من حرق الماء… فإن بكى، أزاح الستار… وإن أزاحه، انكشفت الحقيقة التي لا تُغفر."