حكايات مع الجدة | القائد والمضلل
في طرف القرية البعيد، كانت تسكن فتاة صغيرة… تذهب لجدتها كل يوم ولأنها كالعادة تحب السؤال، وتحمل في عينيها نارًا صغيرة لا تنطفئ.
سألت الجدة:
"يا جدة… كيف أعرف أن من يرشدني لا يسرق نوري؟"
فأجبتها:
"إذا شعرتِ أنك فقدتِ نفسك بعد كلامه، فاهرُبي…
وإن وجدتِ ذاتك أكثر وضوحًا، فاقتربي."
قالت الفتاة: "لم افهم!!"
ابتسمت الجدة وقالت إنه وقت سرد القصة إذا
ثم قصت القصة عليها…
تلك الحكاية…
قالت الجدة، وهي تقلب جمر المدفأة وكأنها تلاعب الذكريات:
"كان في قرية بعيدة… أقرب للضباب من النور،
فيها رجلٌ عجوز… يقولون عنه إنه حكيم،
وكان إذا مشى في السوق، انحنت الرقاب، ليس احترامًا… بل خوفًا.
منهم من يسميه بتسميات عجيبه تليق بصيته، ومنهم من يكتفي بقول: "ذاك العجوز!"
"كلما جاءه زائر، خرج من عنده أقلّ نورا مما دخل…
ظنا أنها ضريبة لاخطائه متوهم أنه أعتق ونجا تحت وهم أنه أُرشد، ولكنه انكمش، كأن كلام ذاك الحكيم لا ينبت نورًا، بل يجفف الأرواح."
الحكيم ملابسه بيضاء بياض ناصع، وكلامه كله نور ومحبة…
قال لأحدهم: "يا ابنتي، نفسك مثل الماء… لا تتركيها تعكر، تعالي لي لأجل أصفّيها لك."
حست براحة، كأن الكلام دهن قلبها بزيت ياسمين.
صلّت قدامه… بكت… حسّت إنها نضّفت.
بس لما رجعت البيت، حسّت إنها أخفّ…
مش خفة الراحة، لا… خفة الضياع.
كل ما تروّح بعيد، تحسها ضاعت، وكل ما ترجع له، تحسها رجعت لحظات.
"لحد ما في يوم، تسألت:
«هو بيرجع لي نفسي؟ ولا بياخدها؟»
وأتت لها الاجابة:
«لما كل ما تروحي له، ترمي شكاويك وتخرجي مرتاحة بس تضيعي بعدها… يبقى ده مش حكيم.»
الحقيقة مش دايمًا بتتكلم بصوت ناعم، والنور مش دايمًا في الكلام الحلو.
فيه ناس تعرف تقول "يا الله" وهي بتقطع فيك وانت مبتسم لانك متخدر.
كيف تعرف أن من يرشدك لا يستعبدك؟
البنت بدأت تلاحظ… كل مرة يرجع لها إحساس النقاء بعد ما تزوره، كأنّه بيضخ في روحها هواء بدل ما يحررها.
كأنها بعد كل جلسة، تبقى أخفّ… وأهون وأهوَن."
سألته مرة، وهي بتحاول تتأكد:
«يعني كل ما أكون متعبة، لازم أرجع لك؟»
ضحك، وقال:
«لأ يا ابنتي… بس أنا طريق النور،
وغيري مش مأمون.»"
ضحكت هي كمان، لكن جواها… خافت.
لأن اللي بيقولك إنك من غيره تضلّ، هو نفسه اللي عايز يضلّك.
وفي ليلة، بعد صلاة طويلة تحت القمر، قامت وكتبت على ورقة صغيرة علّقتها في غرفتها معلنة إدراكها للحقيقة:
"الارواح طاقات ولكل طاقة نورها داخلها، المرشد الحقّ، يعلّمني أكتشف نوري… ما يستغله أو يضغطه، ما يطفّيهش، ما يسرقوش، ما يطبعش اسمه عليه، ما يسلسلك في سلسلة التبعية ."
وتعلمت…. أن هناك الفرق بين الإرشاد… والتسلط
1. الإرشاد:
يدعوك، لا يفرض عليك.
ينير الطريق، لا يجرّك فيه.
يحرّرك، لا يستعبدك.
يسألك "كيف تشعر؟"، لا "لماذا لا تؤمن؟"
يراك كروح نادرة، لا كأداة مفيدة.
2. التسلط:
يطلب الطاعة العمياء.
يجعل من نفسه وسيطًا حصريًا بينك وبين ربك.
يستخدم العار والتخويف لترويضك.
يغريك بالحماية، ثم يقايضك بها.
يسلبك صوتك، ويسميك "متمردًا" لو تكلّمت.
وان هناك علامات انذار للنفس كأعلام حمراء (لو شفتها، اهرب فورًا):
يقولك "ده مش رأيك، مش كلامك، يلغيك ويقول ان ارائك افكارك المختلفة عنه ده شيطان بيتكلم فيك".
يصرّ أن تتبعه، يهددك إنك هتتعذب أو تضل لو ما سمعتش كلامه، يسجلك، يعتبر أي نقد موجه له هو "هجوم" أو "إهانة للإيمان".
وان يجب أن تملك وتستخدم حقها الحق الروحي:
من حقك تقول "لا".
من حقك تغير المكان.
من حقك ترفض المشورة والإرشاد من شخص ما ترتاح لهوش.
من حقك تعبر عن شكوكك بدون تخويف.
من حقك تصلي وحدك، وتسمع ربنا بدون وسيط.
وهكذا تعلمت التمييز بين من يسرق النور ومن يمرره…
وقد قالت لها الجدة:
"ونورك، يا بنتي، ملكك… ما يتوهش إلا لو صدّقتي إنك محتاجة حدّ يردّه ليك."