صرخات صمت | راية من خصل
- Get link
- X
- Other Apps
صرخات صمت | راية من خصل
كان واقفًا خلفي تمامًا، يحدّق بصمتٍ في خصلات شعري المنسدلة على ظهري، كأنها تخصه.
ابتسم بثقة وقال: "أتعلمين؟ تسديلكِ لشعركِ بهذا الشكل... يُغري. تبدين وكأنكِ تنادينني."
ضحكتُ، لا سخريةً منه، بل من عمق ما لا يعلم. نظرت إليه نظرة امرأة أنهكتها الخيبات، لكنها لا تزال واقفة، أجمل من أي فكرة عابرة.
"من القائل؟!" سألت بصوت هادئ، لكنه يشبه نصلًا ناعمًا.
"كما أن الحياة ليست ملكًا لأحد سوى خالقها، فالجمال أيضًا لا يملكه أحد. سبّح ربك واسأله أن يحفظ جمالي أمانةً بين يديك."
سكتَ، كأنه يسمعني لأول مرة.
"هذا الشعر يا عزيزي... ليس مجرد زينة أو دعوة للغزل. بل هو انعكاس لجمال الخالق وقوته وحبه للجمال. هو حكاية طويلة من صبر وطول بال كل فتاة، وتاج جمال لم تره جميلًا لأنك لا تصون الجميل. خصلات الإناث كُتبت من لحظات حب. هن قويات بحبهن لأنفسهن، عندما يكون هذا الحب حقيقيًا بصدق، وما أندر الصدق في أيامنا حتى في حب الذات. من أيام كتمتُ فيها أنيني حتى لا أبدو ضعيفة."
تقدّم خطوة، كأنه أراد الاعتذار بلا كلام.
لكنني تابعت، ونبرتي تهدأ كلما اشتدت: "لم أتركه ينسدل لأنك هنا، بل لأنني هنا. إن كنت أشعر بالأمان لأكون أنا في وجودك، فهذا انعكاس لوجودي. في معركتي، جمعت شعري تحت خوذتي. في هدوء انتصاري، تركته يتنفس. وفي لحظات الحب أتركه يتناغم مع نبضه، ليعزف معه أنشودة حياة، فالحب حياة، ألا تميز؟"
نظرت نحوه بعينين أرهقهما السهر، لكنهما لا تزالان تضويان: "حين تنسدل خصلات امرأة لأجلك، لا تظن أنها لك. بل اعلم أنها أمنت أخيرًا من الداخل. وأنها وجدت في هذا العالم القاسي ساحة صغيرة من أمان، صنعتها بنفسها."
صمت طويلًا، ولم يقل شيئًا. ربما فهم. ربما لم يفهم. لكنني مشيتُ مبتعدة، رأسي مرفوع، وخصلات شعري تتبعني.
ولأول مرة، لم أعد بحاجة لأحد ليفهم... فأنا أفهم نفسي، وهذا يكفيني.
ظنّ، حين رأى شعري منسدلًا، أنه نداء أنثوي لجذب الانتباه. ظنّ أن له الحق فيه، ألم يخبره أحد عن قوة النساء وصبرهن وطول بالهن في العناء؟
لم يعلم أن شعر النساء حكايات صبر، اهتمام، نذر، وتصوف. ليس مجرد زينة لمن يتوهم أنه محور اهتمام النساء، ولا نداء غزل موجه نحوه. لم يعرف أن كل خصلة، كل تموج، كل أطراف متعبة... هي حكاية وجع، وانتصار، وصمود في وجه الأيام. هي سرد طويل لصبرٍ لم يره، ووجعٍ لم يشعر به، وانكساراتٍ لم تقتلهن.
لم يكن الشعر المنسدل دعوة للاقتراب، بل كان إعلان صبر وصمود الأنثى بداخلي أمام عواصف الأيام، أنني شأني شأن تلك النساء المحاربات بصبرهن، وسط الحروب أوجدت لي ساحة أمان تبقي تاجها حيا، فشعر النساء لا ينمو في أرض مقفرة، ولا ينبض بالحياة إلا في تربة خصبة من الأمان والنفوس أراض... والأحبة أوطان.
حين تنسدل خصلات المرأة خلف ظهرها يا عزيزي، فاعلم أنها تعتز بقوة وليدة صمود تحقق بالصبر على الأيام، وانتصار حفظت به الأنثى داخلها من لهيب الأيام، وأنها أوجدت لنفسها ساحة اعتبارية من الأمان. امرأة في المعركة كانت أعتى من كثير من الرجال، ملكة لم تترك عرشها بل حفظته، في الحرب تجمعه تحت خوذتها، وتتركه يتنفس في الخفاء ليتنفس من قلبها معه.
وحين تحترق الأرض تحت قدميها كما تحترق تحت الشمس في الصحراء، تتركه يتمدد معها بطول النهار، شاهدًا على صمودها، شاهدًا على أنوثة لا تكسرها القسوة، بل تصقلها.
جمالي، يا من ظن أن لي أن أكون ملكًا له، ليس هبة، ولا عرضًا متاحًا لمن يمر. جمالي صُنع من الألم، من الاحتمال، من الأوقات التي نزفت فيها صمتًا ولم يسمعني أحد.
فلا تظن، حين ترى فيّ فتنة، أنها خُلقت لك، بل اعلم أنها راية نصر رفعتها على أنقاضي. أني نجوت... وأني، رغم كل شيء، ما زلت أزهر، واصرخ بصمت مسبحه بجمالي جمال من وهبني الجمال.