حكايات مع الجدة | قصة حب أم حرب؟
في الليالي التي تلمع فيها النجوم، كانت الجدة وحدها تحكي القصص.
تقول: "حين تلمع، تكون الأرواح صاحية، والسماء سامعة..."
تلك الليلة، جلستُ بجوارها، وفاحت من ثوبها رائحة الرماد والنعناع.
قالت بصوتها الخافت:
"يقال إن للكواكب حكايات، وإن هناك عوالم مثل عالمنا. في أحد الكواكب، بأحد المجرات، كان هناك نورام، إله يحب الجمال ويخلق كل شيء جميل بحب، كأنه لوحة جميلة جدًا. وقبل أن يوكل آديون، المصنوع بحب قلب متألم على كوكب نوفيرا... قبل أن يشرق نور الحب في قلب المحب من جديد... كان الكوكب يغلي في صمت.
ولقد كان فيها قوم ناريون لا ينامون... سُلبت منهم الوكالة لأنهم عشقوا أنفسهم أكثر من إله الحب والجمال بعد أن قادهم إكليون المحبوب. كبرياء المحبوب أن يُدلَّل ويتمادى يُفسد المحبة، وبمقدار المحبة يكون الألم. فالمحب مهما أحب لا ينسى ألمًا حُفر في روحه حتى وإن غفر."
"جدة، هي دي حكاية حب... ولا حرب؟"
وهكذا بدأت الحكاية...
"قصة حب أم حرب؟"
فتبتسم وتقول: "ربما كانت الاثنتين معًا... اسمع لتفهم."
في زمن لا يُقاس، حين لم يكن هناك زمن،
كانت نوفيرا منزلًا لكائنات إكليون، وكانت أنفاس نورام تمسّ ترابها كما تُمسّد الأم جبين وليدها النائم.
كانت نوفيرا قلبًا ينبض في الفضاء، أراضيها متوهجة بضباب طاقة أزرق، وجبالها كريستالات ترسل إشعاعات تُحيي وتُدمر. في صمتها، كانت تتنفس غضبًا وحنينًا، تحتضن الساقطين وتختبرهم. كانت تجمع الحب والكره، الغضب والوئام، النور والظلام، النقاء والشوائب، الجنة والجحيم، النور والنار، الهواء والماء، الانخفاض والعلو، الانحدار والسمو.
لم يكن في البهاء مثل إكليون، القائد الأعظم، الذي لا يُشبه شيء. وكان من كثرة بهائه مدحه نورام في علاه، محبوب جماله فاق كل كائنات إكليون. لقد تعظّم نورام في صنعه.
حتى جاء يوم لم يكن له مقدمة.
انقلب فيه النور إلى جمر، وأُغلق نوفيرا على نفسه، وصار في داخله صراع لم تُسجّله الأيام، لأن الأيام لم تكن قد بدأت.
بعث إكليون شبكة متضافرة من ظلام خبث ودهاء مزخرفة بخيوط ذهبية براقة تجذب العينين وتُشغل القلب وتُسلسله بخفة ودهاء. موجات خفية تسربت إلى أحلام آديون، تهمس له: "لمَ لا تُجرب؟ لمَ لا تُصبح أنت النور؟"
غضب نورام، لكنه عاد ورحم.
حدّ الظلام فيها، وخلق منها كائنًا جديدًا: آديون.
لم يُخلق ليُكرّم وحده، بل ليرعاها التي خُدِعت، فاحتاجت من يُصلحها.
لم يكن آديون وحده، فقد وضع نورام إلى جانبه معينًا واسماه لوميرا،
لا ليخدمه، بل ليذكّره، لئلا يسقط كما سقط أولئك الذين سكنوا قبله.
وفي شبكة إكليون رفعت لوميرا يدها، فانبعث منها وهج كالنجوم، وقالت لآديون: "لا تستمع للهمسات التي تخفي مصدرها، فالنور الحقيقي لا يغيب."
إكليون، رئيس نيكساريون... الذي أُحب في مجده، لم يحتمل أن يُفضَّل عليه هذا الطيني، المحدود، الضئيل، الضعيف.
فبدأت حربه، لكنها ليست حرب سلاح... بل حرب حيلة.
أراد أن يُثبت أن الطين لا يعلو على النار شأنًا ولا يعادله مقامًا، وأنه بشوائب لا يمكن حصرها ولا يستحق نورام، وأن هذا "الابن الأصغر" لن يعود، بل سيفسد، ويسقط.
عندما عصى آديون، لم يطرده نورام من رحمته، بل منعه أن يأكل من إيليرا. كانت شجرة من كريستال متوهج، جذورها تمتد عبر نوفيرا، تنبض بطاقة تحفظ الأسرار وتوازن الكوكب، لكنها ممنوعة على الساقطين من طين. منع عنها حتى لا يخلد في ظلامه.
ومن هنا بدأت الرحلة:
نوفيرا التي كانت أمًّا، أصبحت ميدانًا...
وفيها الظلام والنار والهواء والماء، كل العناصر تدور، تنجذب، تتنافر، تتكامل، تتقابل، تتباعد.
لكن السؤال لا يزال:
شكلناها أم شكلتنا؟ تشكلت بنا أم تشكلنا بها؟
كانت نوفيرا معبودةً للحب.
أحبّها نورام، وفضّلها بين كواكبه.
فيها أسكن أول خدامه، وفيها مشى نوره، وكان إكليون الأعظم نغمة ذلك الحضور.
صُنع إكليون في زمنٍ كان الحب فيه عرشًا، لا كسرة فيه ولا وجع.
خُلِق من وهج الكبرياء، فوقع في حب نفسه.
لكن بعد السقوط... بعد الصراع...
لم يعد الحب كما كان.
وعندما خلق آديون،
لم يخلقه من نورٍ صافٍ،
بل من حبٍ فيه انكسار، وحنين، وحنو.
فكان آديون روحًا تشتاق، لا تتيه.
وجسدًا يخطئ، لا يتألّه.
وعقلًا يتذكّر، لا يتكبّر.
إكليون خُلِق في عظمة الحب، فأحب نفسه، فسقط.
آديون خُلِق من حب بعد انكسار، فتعلق... وسقط أيضًا.
لكن سقوطه لم يكن بكبرياء، بل من شوق، فعاد نورام يُمسك به.
"سقوط بالشوق، وغفران بالحنين"
لم يكن أول سقوط في الخلق،
بل كان أول من سقط بالشوق.
فحين سقط إكليون،
سقط بعينين مفتوحتين على نفسه،
رأى نوره، فظنّه من ذاته،
ورفع رأسه، وقال: "أنا خير".
أما آديون،
فقد سقط وهو يتلفت، يتردد، يشتهي أن يعرف،
لا ليرتفع على نورام، بل ليفهمه ليشابهه أكثر.
لم يُعلن تمرّده، بل أكل في الخفاء،
واختبأ... كما يختبئ طفل كسر شيئًا عزيزًا.
ولهذا سُمِع صوته في الجنة، لا صراخه.
خطواته كانت مرتعشة،
لم يكن فيها مجد، ولا نشوة، بل خجل.
ولهذا لم يطرده نورام غضبًا،
بل أخرجه حمايةً، حتى لا يمد يده إلى شجرة الحياة،
فيحيا إلى الأبد في كسرة نفسه، ويضيع كما ضاع الآخر.
ـ الغفران لا يُعطى للكبرياء،
ـ بل للحنين.
لم يغفر نورام لأن آديون كان طاهرًا،
بل لأنه كان مكسورًا ويشتاق.
نورام لم يعد يخلق من وهج النور،
بل من رماد الأحلام التي لم تكتمل.
من شوقٍ لما كان يمكن أن يكون،
من حنينٍ للقاء لم يكتمل بعد.
وهكذا صار آديون كائنًا لا يعيش في الجنة،
بل يسير نحوها.
لا يُخلق ليُطاع وحده، ولا ليُكرَّم فقط،
بل ليُجرَّب، ويسقط، ويشتاق، ويعود.
نورام لم يخلق من أجل التبعية،
بل من أجل الحب الذي يبقى حتى بعد السقوط.
ثم سكتت الجدة، ونظرت إليّ قائلة:
– مش كل اللي بيقع، بيُرفض.
في اللي بيقع علشان يتعلم يحب أكتر، مش بس يطيع.
وساعتها، الحب يغفر... مش لأنه نسي،
بل لأنه