مدن القلوب
- Get link
- X
- Other Apps
مدن القلوب
كانت تجلس بالجوار،
حين رآها تسرح في سراب فقاعات فنجان قهوتها،
فتأملها متنهداً وقال... لم يعد بالإمكان أن أعود كما كنت قبل رؤية الموعود، ومن منا يعود؟!
من قال أن الزمان يُهَوِّن؟
تلك العينان… ليلهما كان نورًا أكثر إشراق من نهاري،
وطَلتها أدفأ من شمسي حين تستيقظ بدفئ أجمل الذكريات.
قلبي… صاخب كعقل مار لوحه حر الطريق في ظهيرة لا تفيق، سكران… من ولع الطريق، يصرخ يستغيث بصمت من شمس الطريق، شمسٍ لا تعرف الرحمة، محترقٌ… من لهيب السؤال الذي لا جواب له.
من قال إن الجوع والحرمان طعام؟
هو لم يذق جوع الأمان، ولا عطش الروح لحنانٍ لا يُباع ولا يُشترى.
من قال إن الأيام تمر كرامًا على مدن القلوب؟
هو لم يختبر حضن كلمات محب، وأزقة همسات القلب، ولم يخطو نحوه عطر أروقة الحب، لم يُغلق عليه الليل أبواب الوحشة، كأنه سجين في جُبٍ أسود جائعة منذ قرون.
لم يسكنه الفراغ وسط الزحام، ولا الغربة وسط الأيام.
من قال إن الزمان فصول تمر كفصلٍ واحد؟
وأن العمر سنين تُحصى يوماً واحد؟
لم يختبر زمان يلتهم الأزمنة ويحصرها في أروقة، لم يتذوق لحظة تثقل كفتها أمام كفة العمر وكأن لأجلها كان هذا العمر، القائل هو لم يولد بعد، فالجميع يولد مُسجَّلًا في دفاتر الأحياء، لكن... و البعض يرحل دون أن يذوق الحياة.
لاجل القلوب أعطوه عنوان مقهى مدن القلوب
الحب حياة… والمشاعر زادُ العايشين، ورمق حياةٍ للمُتعبين.
والزمان… أرضٌ تدور، والبشر كواكب، من يفقد اتزان بوصلة قلبه… يسقط وحده، داخل نفسه، وسط حشد الجموع.
ويعود يلوح في الأفق سؤال هل الحب شمس مجرتنا ام ماذا يكون؟!
فعلى الإنسان أن يدور: تارة حول نفسه، وتارة حول شمسه، ودون قمره لا يرى نورًا في ليله.
يتغرّب في متاهة غربة قلبه.
وهل المغترب لمثله رجوع؟
وهل في مدن القلوب يُشفى من غربة القلب أحد؟
في بُعد الأحبة... من مات قلبه، رحمه قلبه،
أما من حيا قلبه، فمات وهو يمشي على قدمين.
بين العيش والحياة دهاليز... قلوبٌ كمدن، أزقة لا تُفتح للمارّة، أروقة لا تعترف بالجميع، بعضها ضيقٌ لذاك الإنسان المفقود في داخله.
الحب كان يمشي بينهم… لكن لا أحد يراه، يسير بينهم متخفيًا... لا أحد يشعر بخطاه، إلا من ضاعت خطواته في دروب القلوب.
كان يضحك… لكن يبكي احبه تغربت وتعثرت في متاهة مدن القلوب.
وكان يتنفس… لكن الحياة هجَرَت رئتَيه من زمن سقوط بوصلة القلوب.
تُراه يعود؟
أم تراه… ذرّات غبار في دوّامة لا تنتهي؟
وفجأة... نظرت إليه، وتقدّمت نحو طاولته،
مبتسمة كأنها سمعت كلماته دون أن ينطق بها،
وكأن الأرض في ليلها أشرق بها بدرًا.
وما البدرُ المطلّ؟
سوى وجهها هذا المساء، في مقهى تستريح فيه كل القلوب… من متاهة مدن القلوب.